أشياء تكفيني ..

ساحة سان ميشال .. منظر النافورة التي لا ينضب و لا يسكن ماؤها أبدا .. المئات من الوجوه في كل اتجاه، في كل وجه حكاية لمن يعرف قراءتها .. جو هادئ تتخلله من حين الى إلى آخر إشراقة لخيط من الشمس الآيلة للمغيب .. فنجان من القهوة المعدة لكي تشرب على مهل .. و قطعة موسيقية لتوقظ في النفس الكثير من المعاني التي ضاعت هناك .. هذه اﻷشياء فقط تكفيني ..

الطريق الى الهاوية ..

اﻷمل حيلة الضعفاء .. أفيون الجبناء الذي يتغذى على إنكار الواقع و الحلم بأحداث و بأفكار يوطوبية لا وجود لها على الأرض .. إنه شعور نابع باﻷساس من الخوف .. خوف اﻹنسان من المجهول .. من المستقبل .. و عدم قدرته على مجابهة الحقيقة الماثلة أمامه و عجزه عن التحكم فيها .. كيف صنع القدماء اﻵلهة ؟ إنها لم تكن إلا نتيجة مباشرة للخوف .. الخوف من الظواهر العصية على التفسير و الخوف من اﻹحساس بالضياع و بإحساس ” المتخلى عنه ” في هذا العالم غير المفهوم .. مثلا، أمام الرعب من الرعد و البرق كان لا بد أن تشتغل ميكانيزمات اﻷمل و الحلم و الخيال و الحيرة و خصوصا الخوف كي تنتج مجتمعة ما سيسمونه إلاه الرعد و البرق .. كائنا متعاليا سيقدمون له القرابين لكي لا يغضب عليهم و لكي يحميهم من المجهول الذي لا يقدرون على فهمه أو اتقائه .. إن اليأس و الإنهزام طريق مباشر لا التواء و لا اعوجاج فيه لكنه يقود مباشرة الى الهاوية كنتيجة حتمية لا مفر منها .. ولذلك فهو طريق مكروه والجميع ينفر منه .. عكس الطريق الآخر الذي يجسد الأمل و الحلم المشبع باﻷفكار اليوطوبية .. و التي تعمل كمسكنات ضد ذلك اﻷلم الوجودي الذي يخيم على العالم .. هذا الطريق طويل .. غير مباشر .. و سليم الى حد كبير .. لكنه مخادع ﻷن نهايته لن تكون إلا تلك الهاوية نفسها التي يؤدي اليها الطريق اﻷول .. و لكن من يأبه لذلك؟ .. لا يهم أن تكون نهاية الطريق هي الهاوية ما دمنا لا نراها اﻵن .. هكذا تتغذى حيواتنا على الوهم .. الوهم يا سادة هو أكثر شيئ حقيقي في هذه الحياة ..

أبناء الهوامش ..

أبناء الهوامش الذين كانوا يحلمون بأن يكونوا قادة في معارك الحياة لم يصيروا إلا جنودا بلا نياشين .. بلا ثمن .. و بلا أمجاد .. مجرد دروع بلا أسماء في الصفوف اﻷولى للحرب .. دروع من لحم و دم عادي لم يقدر له إلا أن يكون رخيصا على الدوام .. أما القادة الفعليون فلم يكونوا أبدا في حاجة الى الأحلام كي يحملوا على صدورهم كل تلك النياشين .. اﻷحلام لأبناء الهوامش فقط .. هي أفيونهم و عزاؤهم .. كي لا يموتوا كمدا .. كي لا يموتوا في النهاية إلا في معارك اﻵخرين …

جئت من بعيد ..

جئت من بعيد .. كي أصل أخيرا إلى هنا .. متعبا و وحيدا .. بلا رصيد وبلا كثير من الأشياء المتبقية لأخسرها .. وصلت إلى هنا عجوزا .. وهادئا، كتلك البحيرات القديمة والآسنة, في بقاع الأرض المنسية، وراء الجبال .. وصلت إلى هنا صامتاً، ليس لحكمةٍ، أبداً .. بل فقط لأن الكلام لم يعد يجدي بعدما رحل كل من كان يسمعني .. كي أصل إلى هنا، قطعت وديانا صغيرة كالجداول و أخرى بعمق الأخاذيذ .. قطعت بحورا بلا شواطئ ولا مراسي .. و أخرى بِقُعورٍ ولا ماء .. قطعت حدائق كثيرة، تارة غنَّاءَ و تارة تشبه كثيرا أطلال حديقة بيتنا القديم الشاحبة .. تلك التي كانت في عيني ذات عُمرٍ بألف من الجنان ..كي أصل إلى هنا، دست الكثير من الزهور التي نبتت في طريقي .. و تعثرت بالكثير من الجذوع الفارغةِ إلا من عواء الريح في مساءات الخريف الكئيبة .. كي أصل إلى هنا، افترشت الكثير من الحصائر الممددة جوانبها ناحية الشرق، ذلك الشرق البعيد حيث كنت أبث الكثير من شِكَاتِي و أمنياتي الصغيرة .. في طريقي إلى هنا، بحثت كثيرا عن محراب لصلاتي، وعن مدفن لأحزاني .. دون جدوى .. كي أصل إلى هنا، مشيت طويلا حتى سئم الأديم أنين خطواتي .. لكني و بعد كل هذا وصلت .. وصلت أخيرا، لكن إلى حيث لم أكن أتوقع .. وصلت فقط الى هناك .. هناك من حيث جئت .. من بعيد .. من بعيد ..

وقت ضائع ..

واحد من أعظم و أعقد اﻷسئلة التي تعبث برأسي هو اﻵتي : متى يمكننا الحكم على الوقت الذي نقضيه في فعل/أو عدم فعل شيئ ما على أنه وقت ضائع ؟ .. قد يقول قائل – و هو في الغالب غير واع بحقيقة ما يقول – أن الوقت الضائع هو الذي نقضيه في فعل أي شيئ غير منتج و بدون أية إضافة للحياة الشخصية أو حياة الناس، حسنا، قد يكون هذا قولا جميلا ومقبولا عند أغلب الناس .. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في جدوى و أهمية ومدى وجوب تلك الإضافة أصلا .. مما يقودنا الى سؤال أعمق و أجدى و هو مفهوم اﻷهمية أصلا و معايير تصنيف اﻷشياء الى مهم و غير مهم .. ثم إلى سؤال أكثر عمقا وهو مدى ضرورة و وجوب و جدوى فعل اﻷشياء المهمة بدلا عن اﻷشياء غير المهمة .. لا أدعي أنني أملك أجوبة يقينية .. لكن ما يستفزني هو ألا تستفز هذه التساؤلات اﻵخرين .. فيأتون اليك ليقولوا لك بيقين عجيب : لا تضيع و قتك في هذه اﻷشياء و افعل بدلا منها تلك اﻷشياء اﻷخرى المفيدة .. وهم حينما يقولون لك ذلك لا يشكون قيد أنملة في صدقية و حقيقة ما يقولون .. إن المشكلة التي تحجب عنا مثل هذه الأسئلة و تحرمنا من فرصة وضعها على الطاولة و محاولة تشريحها هي وعينا المكتسب و إرثنا الأخلاقي و الثقافي غير الممحص عن المجتمع .. نحن للأسف أسرى لما نعتقد و أسرى لما و رثناه إراديا أو لا إراديا عن نمط الحياة السائد .. ” الحاصول .. ما فيش فايدة” ..

لا شيئ هنا ..

الساعة تشير الى الثامنة مساء .. محطة “سان ميشال” الباريسية .. خط القطار “سين” .. يصعد رجل ذو ملامح ذابلة و نظرات مشتتة حاضنا قيثارة قديمة كما تحضن اﻷم وليدها الصغير في اﻷجواء الباردة .. يوزع النظرات على الجالسين يمينا و يسارا .. بالكاد يشعرون بوجوده .. ينطلق القطار .. يشرع صاحبنا في العزف .. يغني للحب ثم للفراق .. يغني للأرض ثم للإنسان .. أنظر الى عينيه تارة و الى أنامله التي تداعب اﻷوتار بخفة تارة أخرى .. لا أحد هنا .. لا شيئ هنا .. الكل يسبح بفكره في ال”هناك” .. لكل “هناكه” .. لا شيئ هنا غير أجساد بلا أرواح.. أو هكذا خيل لي .. حتى القيثارة يترائى لي أنها ليست هنا .. ربما تحن الى أمها الشجرة .. ربما تحن الى وطنها الغابة .. أما صاحبنا فلعل لسان حاله يسائل نفسه : ما الذي أتى بي الى هنا .. حسنا، ما الذي أتى بي الى هنا أنا أيضا؟ ، أتساءل بدوري .. و إن لم أكن هنا فأين يجدر بي أن أكون؟ .. لا أدري .. أنا في الحقيقة لا أعرف جوابا لأي من هذه اﻷسئلة للأسف .. ، .. يصل صاحبنا الى أغنية ” جوتيم أ موغيغ” .. يؤديها بصوت رخيم و إيقاع مظبوط .. ماذا لو كنا عوض ذلك نحب أنفسنا هكذا .. حبا حقيقيا حتى الموت .. هل كانت النتيجة ستكون انتحارا ؟ .. ربما .. لكن لا أحد يريد أن يموت، أو أغلب الناس على اﻷقل .. ربما بسبب ذلك لا نستطيع حب أنفسنا حبا حقيقيا حتى الموت .. القطار وصل الى محطة الوصول وكاد غياب انتباهي أن يفوت علي النزول .. مددت يدي الى جيبي و أعطيت صاحبنا بعض القطع النقدية .. ابتسمت في وجهه و شكرته، فكان رده بأحسن منها .. الجو بارد حتى التجمد .. و لابد أن أتوقف عن الكتابة و إلا تجمدت يداي ..

النوم في العمل ..

لا شيء يجعل يومك في العمل جميلا أفضل من “أن تضربها بشي مولاتي نعسة عالمية ” فتجذبك تلك الخيوط البرزخية المتدلية على الأرض لتأخذك إلى حضنها ثم تحلق بك بعيدا .. بعيدا .. كي تمر بك في عُباب عوالم من الأحلام الوردية أحيانا و الرمادية أحيانا أخرى حيث وجوه كثيرة عرفتها و وجوه أكثر لم تعرفها، تَمُورُ بك في مغامرات سريالية لا منطق فيها ولا رابط بينها .. حتى إذا “فَوَّجْتَ” على نفسك بتلك الرحلة الغامضة و سقط منك كل تعبك الذي كنت تَطُوح به، أرجعتك إلى مكتبك برفق و فتحت عينيك الجميلتين على حاسوبك الذي اشتاق إليك .. إن أحسن ما يمكنك أن تفعله بعد حصة نوم “عالمية” كهذه في العمل .. هي أن تجمع أغراضك و تذهب إلى بيتك كي ترتاح قليلا ..

الأغبياء و الحمقى ..

من أكثر ما تعلمته حكمة في حياتي هو عدم مجادلة الأغبياء و الحمقى .. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بشدة في هذا الدرس الحياتي البليغ هو : كيف تعرف أن من أمامك غبي و أحمق !؟ .. خذها إليك مني هذه الطريقة إذن : إسأله هذا السؤال : ” هل تعتقد أنك بأفكارك و بكل ما تعتقده صوابا قد تكون مجرد غبي و أحمق ؟” .. فإن قال لك : “نعم، ذلك ممكن، قد أكون بكل أفكاري و إيماني و قناعاتي مجرد غبي أو أحمق”, إن قال هذا فهو حكيم و اتخذه صديقا إن استطعت .. و إن قال لك “لا و أنه متيقن من أفكاره و قناعاته و صوابها ” فهو غبي و أحمق، فلا تجادله و فر منه فرارك من المجذوم .. و إن اضطررت لمحادثته فلا تحدثه إلا في مواضيع كرة القدم و أحوال الطقس و كيفية صنع الطاجين و نوع النساء التي يحب .. رفعت الأقلام و جفت الصحف ..

الفكرة الأساسية هنا تدور حول الشك و اليقين، الشك هو الطريق إلى الحقيقة (قد تدرك و قد لا تدرك) و اليقين هو الضياع بعينه، المتيقنون من إعتقاداتهم لا يصلح معهم أي جدال أو نقاش لأن اليقين مذهب غير عقلاني ينحرف بصاحبه منذ البداية عن الطريق إلى الصواب و يجهض أي محاولة في هذا الإتجاه .. هؤلاء المتيقنون أسميهم أغبياء و حمقى، ليس بالمعنى الدارج للكلمتين أو بحسابات ” الآي كيو” و لكن بشكل أعمق بكثير، فقد نجد دكتورا غبيا و أحمقا و مهندسا غبيا و أحمقا و بائع فجل أو نجارا أميا لا ينطبق عليه وصف الغبي و الأحمق .. لا بد من الإشارة أيضا إلى أن كل شيء نسبي و لست أنا أيضا متأكدا من صواب أو خطأ ما أعتقده و قد أكون أنا بدوري بكل ما أعتقده صوابا مجرد غبي و أحمق ..

تلك الروابي ..

بقلبي شتاء و رياح .. و غيوم كثيرة لا حصر لها .. تود لو تأخذني الى حيث شئت .. لكن هيهات، يحجبني عن طلبها ضباب يغشيني و بصر حسير .. و إلا لكنت حلقت مثل النوارس مع أول غيمة دنت مني و مدت لي طرفها الخفي .. بأجنحة من الريح .. مارّاً مِن عَلٍ و مُترفِّعا عن كل الخراب الذي أتى على مَضَاربي ذات عُمْر .. حتى أصل الى تلك الروابي البعيدة التي أحب .. هناك حيث لابد سيحلو لي أن أستريح .. و أنسى ..

ماذا لو ..

“ماذا لو ..” .. كلمتان خفيفتان على اللسان .. كالجبال ثقيلتان على القلب و الخاطر .. يضيعان بهما في متاهات الذاكرة و ثقوب الملامة السوداء .. تلك التي لا يعود من بحرها أي غريق .. “ماذا لو لم نقترف يوما هاتين الكلمتين”، يهمهم الراوي .. ليتعثر بسذاجة في عقدة القصة .. ثم لا تقوم له قائمة بعد ذلك .. “من ليكمل القصة اﻵن ؟!”، تصيح شُخُوصُها بهلع .. ثم بعد لأْيٍ و مناحةٍ تستدركُ : “ماذا لو لم يتعثر الراوي قبل أن تستكمل قريحَتُهُ جُودَها بأحداث القصة، فلا يتركنا بذلك أيتاما لها، بلا حول و لا حِبكة”، تسقط الشخوص بدورها وبضعف سذاجة الراوي في نفس الفخ .. و مرة أخرى، من ليكمل القصة اﻵن، بلا راو و بلا شخوص ؟! .. “ماذا لو ..”، تندب روح القصة التي نجت بمعجزة من عثرة الراوي الأولى .. فيسقط بذلك كل ما تبقى .. و يضيع كل شيئ في متاهات الذاكرة و ثقوب الملامة السوداء .. ما عدا كلمتين خفيفتين على اللسان .. كالجبال ثقيلتين على القلب و الخاطر ..