أمام البيت الكبير ..

حينما يأتي دورك لا تتردد في الإنضمام إلى الجوقة السعيدة، أمام البيت الكبير .. هي فقط تبدوا كذلك، لكن لا ضير، عليك فقط أن تضع ثقتك في شيء ما ..حسنا، يمكنك أن تبقى على الرصيف عابثا بغليونك الفارغ و مسدلا قبعتك التي تحب، تلك التي غالبا ما يرتديها الشعراء واللصوص في الأفلام،على حد سواء .. يمكنك أن تفعل ذلك كعادتك، لكن أتدري؟، لن يوفر لك ذلك أي شعور بالإرتياح .. هل سمعت ذلك النداء من بعيد، أثناء الكابوس الذي رأيته آخر مرة؟ .. يا إلاهي، أنت لا تذكر أي شيء على الإطلاق! .. كان يقول : “ليس عليك أن تحطم الأصنام، ليس في ذلك أية بطولة تذكر” .. أتدري؟ .. عندما تتحطم الأصنام لا يبقى غير الفراغ .. الفراغ مؤذ، أنت لا تعي ذلك، لكنني أعرف .. أعرف أيضا أن الناس يتغيرون، و الجوقة التي يبدوا أنها سعيدة ستدخل البيت الكبير لتكمل السهرة، و طبعا سيغلقون الباب، و سوف يتغيرون بالتأكيد .. لكن، ما معنى أن يتغير اﻹنسان؟، بغض النظر عن الجوقة و الباب و الجو البارد الذي يسود في الخارج .. هل يتغير الإنسان عندما تصبح أفعاله غير قابلة للتوقع أو مختلفة عما اعتدنا عليه منه ؟ .. أم عندما نفقد مكاننا في سجل أولوياته ؟ .. أم فقط عندما يصبح ناضجا أكثر وبالتالي أنانيا أكثر؟ .. ثم هل سيعني هذا أن الأنانيين هم الأفضل لأنفسهم؟ .. ثم ماذا تريد هذه الجوقة أصلا؟، اﻷشياء الجميلة ربما لا تكون جميلة بالقدر الكافي و اﻷشياء المتحصل عليها قد لا تكون أفضل من تلك القادمة، أما المتعة فتخضع لمنطق البرود والفتور ثم الحاجة لجرعة أكبر وهكذا ..النتيجة، دائرة مفرغة و خيبات .. هراء، كل ما قلته بعد البداية ليس مهما، اعتبره سبق قلم .. المهم، حينما يأتي دورك لا تردد في الإنضمام إلى الجوقة السعيدة، أمام البيت الكبير.. أما إن أصررت على البقاء بعيدا عابثا بغليونك الفارغ فقد يأتيك شخص من وسط الجوقة كي يقول لك بأنه كان بإمكانه أن يكون كذا و كذا و أن يفعل كذا و كذا، لكنه من أجل سواد عينيك لم يشأ فعل ذلك .. عندما يقول لك شخص ما هذا الكلام فابن على عجل أسوارا لمدينتك الصغيرة، القراصنة يتفوهون دئما بمثل هذه الإدعاءات بعد أن يقوموا بإخفاء ذلك الكذا و كذا بخبث و مهارة .. أمام البيت الكبير كل شيء على وشك الإنتهاء .. أنت لا زلت في مكانك تراقب الجوقة السعيدة من بعيد .. سعيدا بالعبث بغليونك الفارغ و مسدلا قبعتك التي تحب، تلك التي غالبا ما يرتديها الشعراء واللصوص في الأفلام،على حد سواء ..

حرق المعاني ..

يطل نيرون من شرفته العالية على منظر روما وهي تحترق .. يلتفت الى مستشاره ثم يردف : إعلم أني قد أحرقت روما، كي أصنع روما جديدة، روما أفضل و أجمل، أصنعها بيدي من جديد، لقد فعلت هذا من أجل روما” .. يجيبه المستشار : إعلم سيدي أن روما إن احترقت فستحيا من جديد، و ستبنى من جديد، سواء بك أو بدونك .. لكن إعلم في المقابل أنك بهذا أحرقت المعاني في قلوب أبناء روما الباقين .. وهيهات، هيهات يا سيدي أن تحيا المعاني بعد حرقها ..

البحث عن صديق قديم ..

عندما تحاول البحث عن صديق قديم فإنك في الغالب ستجده قد غير محل سكناه .. الناس يغيرون كثيرا محلات سكناهم في هذا الزمان .. و إن كان لديك ما يكفي من مخزون الصبر و بعد عناء طويل فقد تجده فعلا .. ستفرح برؤيته .. ستضحكان بصوت عال وستتجاذبان أطراف الحديث والذكرى .. ثم ستودعه و تمضي، ﻷن لكل منكما طريق .. ستسر بكونك بحثت عنه والتقيته .. لكن شيئا ما سينغص عليك يومك .. شيئ كالحنين الى الماضي .. كمرارة أن تصبح شخصا آخر .. كوجع اللاجدوى .. كغرق في اللامعنى .. كضياع عن الطريق .. أي طريق ؟!

الذين لا يبالون ..

من قام بحرق غابة بأكملها سيهون عليه كثيرا حرق غصن يابس هنا أو هناك و لن يبالي أبدا بدوس زهرة يافعة على جانب الطريق، عن قصد أو عن غير قصد .. محترفوا الحرائق لا يصلحون للرفقة، ليس ﻷنهم لايستحقون ولا ﻷنهم ليسوا بطيبين، بل فقط ﻷنهم لايبالون .. و الذين لا يبالون أسوأ بكثير ممن يؤذون الآخرين عمدا ..

أن تحرر حبيبك

ربما يجدر بنا أحيانا أن نفسح الطريق لمن نحب كي يجدوا من هم أفضل منا .. من سيعتني بهم أكثر منا .. من سيهتم بهم أكثر .. و من سيكون قادرا على أن يعطيهم ما نفتقده وبالتالي ما نحن غير قادرين على أن نوفره لهم .. إنه لمن اﻷنانية أن نظل متمسكين معهم بشعرة معاوية تلك، ذلك الخيط الرفيع الذي لا يقتل ولا يحيي، لا يوفر عطاء ولا يترك للآخر مجالا ليبحث عما يريد و يشتهي .. فقط حرره ليتحرر .. حرره إن كنت فعلا تحبه ..

صمت النهايات ..

البارحة أقام جيراننا عرسا صاخبا استمر حتى الصباح .. في نفس الليلة كان جيران آخرون لنا يقيمون جنازة و خيمة خافتة اﻷضواء لاستقبال المعزين .. على عكس اﻷولى كانت الجنازة صامتة و لم تزعج أحدا أو تحرمه النوم ثم إنها انتهت قبل منتصف الليل .. يبدوا الفرق شاسعا بين ضجيج الحياة و بداياتها و بين مراسيم الفناء .. بدايات صاخبة ثم نهايات صامتة و باهتة .. فأيهما يا ترى أبقى، ضجيج البدايات أم صمت النهايات ؟ .. صمت النهايات طبعا .. نبتدئ بصمت أزلي يقطعه صخب الولادة المفاجئ .. يعقبه صخب الحياة المتقطع بآلامها و أفراحها و ضجيجها .. هذه الحياة القصيرة والمفاجئة ليست إلا حادثا عارضا .. و سرعان ما يعود كل شيئ الى أصله وتعود اﻷمور الى طبيعتها، وطبيعتها هي الصمت .. صمت الفناء هو الذي يأتي من اﻷزل ثم بعد لحظة حياة تقطعه يسود من جديد و يستمر طويلا هذه المرة أيضا، الى اﻷبد .. الحياة ليست إلا حادثا مفاجئا و طفرة في خط الزمن الصامت و الممتد الى ما لانهابة .. ليست في الحقيقة شيئا مذكورا .. لا شيئ على اﻹطلاق ..

الذين كانوا ..

الذين فضلوا اﻹنتظار عوض الإكتفاء بما حضر انتظروا طويلا ولم يحصلوا أبدا على أفضل مما تركوه وراء ظهورهم ذات لحظة من زهو .. الذين كانوا يريدون أن يصلوا الى قمة الجبل اكتفوا بأكل سندويشاتهم في كهف بمنتصف الطريق قبل أن يعودوا الى السفح من جديد، خائبين ومهزومين .. الذين كانوا يحلمون بأن يصيروا ربابنة للطائرات وقادة للجيوش صاروا قراصنة و لصوصا .. الذين كانوا يحلمون بأن يبقوا على الدوان خفيفي الروح كالفراشات صاروا ثقيلي الظل كاليعاسيب والغربان .. الذين كانوا يريدون أن يتعلموا رقصة السالسا ذات يوم لم يجدوا رفيقا للرقص، و بعد بحث طويل اكتفوا بتعلم رقصة البطريق ثم ذهبوا ليناموا وحيدين .. الذين كانوا يرون أنفسهم خطباء على الناس وقادة مفوهين تراجعوا عن ذلك عندما تمعنوا جيدا في صورتهم على المرآة، ليكتفوا بنظم قصائد ركيكة لحبيبات مفترضات وترديدها على أنفسهم كل ليلة قبل النوم .. الذين كانوا ينتظرون الحب الذي سيأتي ذات يوم انتظروا عمرا كاملا ولم يطرق باب قلبهم أحد فلم يعرفوا أكان العيب فيهم أم في إنتظارهم أم في الطارق المفترض، الذي لم يهتد الى الباب .. الذين كانوا يريدون الهجرة بعيدا، الى ما الى ما وراء البحر وجدوا أنفسهم بعد سنين طويلة على نفس الكرسي، في نفس المقهى، في نفس الحي، لم يتغير شيئ باستثناء قدرتهم على الحلم وعلى تصديق الوهم .. الذين ماتوا لم يعودوا .. الذين تركونا حينما وجدوا من هو أفضل منا لن يعودوا .. الذين أحبونا ذات يوم لن يقدروا على أن يحبونا طول العمر .. الذين رحلوا وإن قدر لنا و لهم أن يعودوا فلن يرجعوا أبدا كما كانوا .. لا شيء يعود كما كان .. لا أحد يظل كما هو .. لا شيء سيكون كما كان مفترضا أن يكون .. لا شيء ..

لا بأس ..

دوري على الشجرة، يغني لشيئ ما .. أغنية في البال، يجترها خاطري من أجل ليلاي .. هواجس قديمة، تطفو مرة أخرى إلى السطح، حان موعد عودتها فلا أهلا ولا سهلا .. أصوات من الذاكرة، تتداخل لتصنع ضجيجا من لا شيئ .. ألم خفيف في الجانب اﻷيمن، لكن لا بأس .. لحظة من السعادة كالبرق الخلب، لكنها كافية .. ضوء يتسلل من شقوق النافذة، رسولا للنهار، لكن ليس من أجلي على كل حال .. تقول الجدة لحفيدها : لا تنس سقي شجرات التين بعدي .. لا تقلقي بشأن ذلك، يجيبها باسما و كان بوده أن يقول لها : هوني عليك ياجدتي فكل حدائق الدور الكبيرة ماتت بموت الأجداد، لكن لا بأس، لا شيئ سيبقى يا جدتي، لا شيئ، لا أنت ولا أنا ولا الآخرون ولا حديقة البيت الغبية طبعا .. الساعة تشير الى السابعة صباحا، الناس يهرولون الى محطات القطارات و يركضون في كل اتجاه في أنفاق الميترو كالجرذان، مطأطئي الرؤوس ذليلي المحيا .. البؤساء ضحايا السيستيم، يسرعون في طلب العمل وكان بوسعهم أن يسرعو في طلب الحياة عوضا عن ذلك، لكن كيف سيستوعب هؤلاء اﻷغبياء الفرق بين هذا وذاك !؟ ، ليس عليك هداهم يا ولدي على كل حال، و لحسن حظك هذا اﻷسبوع أيضا فلست معنيا بهذا الموضوع أصلا .. الجو هادئ و رطب قليلا .. الصمت لا زال يغرق كل شيئ في هذا الحي المعزول عن العالم، اﻷحياء و الجمادات .. القمر كان قبل قليل معلقا كالقلادة على صدر السماء .. يحرس نجومها البعيدة و أشجار اﻷديم أيضا .. يا إلاهي، لم يعد له اﻵن أي أثر، وكأن له خصومة أزلية مع النهار .. لكن لا بأس، لابد أنه اﻵن يحرس الجهة المقابلة من العالم حيث ينام أخي في سلام .. دوري آخر على الشجرة، يغني لشيئ ما .. نفس اﻷغنية اﻷولى في البال، يجترها خاطري من أجل ليلاي ..

لوثة الفناء ..

يا للخيبة .. السماء لا تمطر ذهبا، و ليست مصباحا سحريا كبيرا على اﻷرجح .. اﻷرض هي اﻷخرى لا تدور من أجل عيني الجميلتين .. رغم أني ظننت طويلا أني فعلا أستحق ذلك .. لم يوقظني من غفلتي غير دموع امرأة سالت وهي تنظر إلي .. عرفت حينها أنني لم أكن يوما ملاكا كما كنت أعتقد.. الزمن يمر بسرعة جنونية في هذا العالم .. الشارع خال و المصابيح المصطفة على جنباته بالكاد تضيئ نفسها .. القطار يغادر المحطة .. العيون تتسمر أمام العيون الراحلة .. الفراق اللعين يضحك .. الزمن يتسارع بجنون .. ثم يتباطؤ و يتمطى بمجرد اختفاء المقطورة اﻷخيرة في ثنايا اﻷفق .. ثم لا تبقى غير السكة الطويلة .. الممتدة الى ما لا نهاية .. الريح تعوي في جنبات المحطة .. الكلاب تنبح في وجه الغبار .. لا شيئ يبقى في النهاية .. صورة الفناء تخيم بجلاء على كل الموجودات .. كيف يمكنك يا ولدي أن تواصل المسير دون أن تسري في عروقك لوثة الفناء .. الطريق مهما كان طويلا سينتهي .. و منظر اﻷشجار على الجنبات مهما كان ساحرا سيصير مجرد ذكرى .. هراء، الذاكرة نفسها ستؤول الى العدم .. العدم شيئ مرعب، إلا إذا حاربته باللامبالاة .. لكن هيهات، هيهات أن يطاوعك قلبك وروحك كي تسير في طريق اللامبالاة .. طريقك في الحقيقة مسدود يا ولدي .. مسدود .. مسدود .. السماء لا تمطر ذهبا، و ليست مصباحا سحريا كبيرا على اﻷرجح .. اﻷرض هي اﻷخرى لا تدور من أجل عينك الجميلتين ..

حافة التجربة ..

إنتهاء التجارب الحياتية إنما هو صورة مصغرة عن انتهاء تجربة الحياة برمتها .. قد تسأل نفسك عند نهاية تجربة ما، سواء كانت شخصية أو عملية، عن ماذا أعطيت لهذه التجربة وماذا أخذت .. عن ميزان الربح و الخسارة .. عن جزء من عمرك قدمته لهذه التجربة و الذي لن يعود بأي حال من اﻷحوال .. عن اﻹختيارات التي ارتكبتها و عن طرق و أزقة الحياة التي سلكتها ذات يوم من الماضي .. أنا اليوم متخفف من عبئ ثقيل لطالما لعنته صباحا و مساء .. سروري بذلك لا ريب فيه، أنا الذي طالما سعيت الى هذه النهاية بالظبط .. لكن هنالك شيئ ما غير مفهوم يبقى عميقا في داخلي .. شيئ يشبه الفراغ لكنه ليس فراغاً .. يشبه الندم لكنه ليس ندما .. يشبه ثقل الحرية لكنه ليس بثقل .. شيئ يشبه اﻹحساس الذي يرافق لحظة التجلي التي تأتي بعد إنتهاء كل شيئ يتعلق بتجربة ما انتهت للتو .. يشبه قليلا لحظة التجلي عند النهاية اﻷخيرة .. قبيل ركلك نحو باب الرحيل اﻷخير عن هذا العالم .. الحياة ليست إلا موتا متقطعا يقود الى موت دائم .. مجرد نهايات صغيرة تقود الى نهايات أخرى صغيرة .. وهكذا الى أن ينتهي كل شيئ .. ثم تنسى .. تنسى كأنك لم تكن ..