رواية قواعد العشق الأربعون

أنهيت قراءة رواية قواعد العشق الأربعون لصاحبتها إليف شافاق .. الرواية جميلة و ذات حبكة جيدة على العموم رغم أنها كانت في الحقيقة دون توقعاتي بعض الشيء، خصوصا و أن لها صيتا كبيرا بين القراء .. أما تقييمي لها فهو ثلاثة نجمات من أصل خمسة ..
الرواية عبارة عن قصتين متداخلتين في بعضهما، الأولى عن ربة بيت تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية يطلب منها أن تكتب مراجعة لرواية (وهي القصة الثانية والرئيسية) كتبها مؤلف مغمور يعيش في أمستردام عن علمي الصوفية جلال الدين الرومي و رفيقه شمس الدين التبريزي ..
النجمتان الناقصتان في تقييمي ذهبتا فيما اعتبرته إجابات سطحية عن أسئلة كبيرة ومعقدة، أسئلة شائكة وملغومة ليس لدى الإنسان الصوفي (الذي يمثله شمس الدين التبريزي) أجوبة صريحة عنها فيعوض عن ذلك بإجابات فضفاضة و ضبابية لا معنى لها، وخصوصا فيما يتعلق بالثراث الإسلامي الذي يحتاج إلى الكثير من التنقيح والمراجعة كي يكون فعلا متناغما مع رسالة الصوفي النموذجي صاحب دين الحب المطلق ..
لكن ورغم هذه المؤاخذات وبعيدا عن بعض مكامن الخلل فالجميل في الرواية هو إيصالها بشكل مبسط -عموما- للطريقة التي يرى بها الإنسان الصوفي الحياة والناس، الإنسان الصوفي الذي يمثل شمس الدين التبريزي نموذجه الحي والكامل والذي يتخذ من الإنسانية والرحمة الحب دينه الحقيقي قبل النظر إلى الانتماءات الأخرى مثل التدين الشعائري المتجمد .. هذه النظرة المترفعة عن الخلافات المذهبية والعرقية والفكرية هي ما نحتاجها بشدة في بلاد العرب والمسلمين التي أدت بها الأفكار المتجمدة والرجعية إلى الكثير من الخراب والتخلف والدماء ..
الرواية أعتبرها موفقة عموما وتستحق القراءة والتأمل ..

هذا الظل ..

إنني أتعفن هنا، مكبلا بهذا الظل اللعين .. إلى أين يأخذني كل هذا يا أبي، أجرب ابتسامتى كل حين في المرآة كي أتأكد أنني لازلت قادرا على التبسم وعلى السخرية من كل شيئ، ثم أَعْلقُ بعدها في النافذة نافثا دخان غليوني على صورة نهر السين في عيني، بينما ضجيج أعمال البناء في الجوار يفسد علي تأملي في الفراغ الذي من جهة السماء .. أنا لست وحيدا كما قد تظن يا أبي، لذلك اطمئن رجاءً .. لكني ولأسباب أعرفها وأخرى كثيرة غابت عني فإن روحي تجلس وحيدة، يحيط بها الظل الذي أخبرتك عنه من كل جانب .. أحب أن أنام لأنسى، لكن الأحلام تطاردني .. كم أكره الأحلام يا أبي، الوردي منها والكابوسي .. لي عداء قديم مع الأحلام ..و ربما وكمحاولة مني للتخلص من كرهها ادعيت ذات يوم أن لي حلما، أنا في الحقيقة لا أحلام لي .. كل ما أريده هو قوة هائلة تتلبس مطرقتي التي أحملها منذ أن تركت بيتنا ودموع ملاك على شرفة البيت تودعني، كي أهدم بها كل شيئ علق في طريقي، ابتداءً من نفسي وانتهاء بهذا الظل الجاثم على قلبي، مرورا بكل من أحببت وكل من أحبوني، أود لو أحطم كل شيئ عرفته، الجميل والقبيح، الأبيض والأسود والرمادي أيضا .. ربما حينها فقط سأصير حرا يا أبي، حرا من كل شيئ .. حرا كما كنت قبل أن أكون ..

كنا أبرياء ..

كم كنا أبرياء وحمقى حينما اعتقدنا أننا سنشفى ذات يوم بالإنتظار، بلا أدوية وبلا جراحات .. انتظار طلائع الخلاص التي ستأخد بأيدينا إلى تلك التلال الخضراء البعيدة، التي نحب .. انتظرنا طويلا ولم يظهر لنا في الأفق شيئ غير السراب .. يا أبانا الذي هناك، لماذا تركتنا هنا وحيدين وحزانى .. كم كنا أبرياء حينما انتظرناك، كما كنا أبرياء حينما وددنا كالأطفال أن تأتينا لتأخذ بأيدينا بعيدا، بعيدا من هنا، ولو في المنام، مثل رؤيا .. انتظرناك طويلا ولم تأت، بحثنا عنك كثيرا ولكنك كنت دائما تجيد الإختباء .. نحن غاضبون منك، لذلك لاتوقظنا عندما ننام، دعنا نطفئ بالنوم غضبنا منك، فلا توقظنا رجاء حينما يحلو لك المجيئ، رجاءً دعنا نرقد بسلام ..

الظل القديم ..

حسنا، إنه الظل القديم يرخي ظلامه على مضاربي مرة أخرى .. سيحجب عني شمسي لبضعة أيام كالعادة فلا يبقى لي من شيئ لأفعله غير النوم والتأمل الفارغ في السماء وصوت الريح ورمل الأرض، في كل شيئ ولا شيئ في نفس الوقت .. لحسن حظي ونكاية في ضيفي الثقيل فقد كنت في غيابه قد سقيت أصيص النافذة وشذبت حديقتي الخلفية وزرعت بضعة شتلات بجانب شجرات الرمان آملا أن تصير هي الأخرى شجرات بظلال حقيقية غير مؤذية، لقد نلت منك هذه المرة أيها الوغد .. آه يا أبي، ليت تلاواتك معي الآن، أعرف بشكل ما غامض أنها تحميني .. إنها مثل كلبي الوفي يحرسني من اللصوص ومن زوار العتمة المشبوهين .. حسنا، الظل القديم يقترب أكثر فأكثر.. أهلا وسهلا بك يا عزيزي، تعال بجانبي أيها الضيف الثقيل.. أتدري، رغم أني أود لو هربت منك الى آخر الدنيا فإن شيئا ما غامضا في داخلي اشتاق إليك .. اقترب أكثر و أعرني حكمتك وسكونك أيها الوغد، ثم تعال لنصنع بصمتى ونحيبك أناشيد كما لو أنها نوْحَُ الملائكة ..

أكتوبر (2) ..

أحببت كثيرا الرقم “عشرة” وأحببت أكثر الرقم “عشرين” .. الذين كانوا يعرفونني جيدا استغلوا حبي لهذين الرقمين كي يخمنوا كلماتي السرية ، ليسرقوا أسراري الصغيرة، كانوا فخوربن بذلك .. مالم يعرفوه هو أن حياتي ليست إلا جدعا فارغا تعوي فيه الرياح، ما لم يعرفوه هو أنني كنت كل مساء أحمل وريقات علقت بذاكرتي من شجرة التين الشائخة قبالة النافذة القديمة، ومن الدالية المصلوبة قبالة البيت القديم، كنت أحمل تلك الوريقات خفية من الجميع، حتى من نفسي، وألصقها بذلك الجذع الفارغ، الذي هو حياتي، كي أبدوا في أعينهم مثل باقي اﻷشجار .. كنت أخدع الجميع بذلك .. لم أكن أظهر على حقيقتي إلا عندما يحين شهر أكتوبر، برياحه التي أعرفها جيدا، ليحمل معه كل الوريقات التي ألصقتها بذلك الجدع، بصمغ يشبه دمع أمي، بعيدا .. بعيدا..

أكتوبر ..

أكتوبر، شهر البداية، جل النهايات، نهاية النهايات؟!.. أكتوبر، مقدم الخريف، مقدم الهواجس، الصرخة اﻷولى، الصرخة اﻷخيرة؟! .. أكتوبر، ولادة الحب، نهاية الحب، الوردة اﻷخيرة؟! .. أكتوبر، بيت من الطين، قنديل زيت، آخر اﻷنوار؟! .. أكتوبر، شجرة تين شائخة، ظل الدالية، آخر الظلال؟! .. أكتوبر، الوداع اﻷول، جل الوداعات، آخر الوداعات؟! .. أكتوبر، الحافلة المتجهة الى الشمال، نومة هنيئة على كتف الوالد، آخر اﻷسفار؟! .. أكتوبر، نظرة حانية من على شرفة البيت، دمعة مودعة، دمعة عالقة في العيون، آخر الدموع؟! .. أكتوبر، لاشيئ ولا زمن يشبه أكتوبر، لاشيئ قبل أكتوبر، لاشيئ بعد أكتوبر؟! ..

ويسألونك ..

ويسألونك، الى أين المسير وما المبتغى ؟.. فلا تجد غير الصمت، الصمت البليغ اللايروي .. أنت العصفور فوق الصخرة الصماء يتأمل الغابة التي احترقت للتو، وحيدا كما يبدو، لكن بلا آثار للدمع ولا للحزن، .. تريد عيدا لك، وعندما يأتونك بالعيد مبسوطا على اﻷكف تولي بوجهك نحو الغمام، الغمام الذي تعرف أنك لست ببالغه، ولست تريده حتى .. هم لايدركون أنك حين تولي بوجهك هنا أو هناك أنك في الحقيقة لا تبحث عن أي شيئ على الإطلاق .. حتى عندما تخيط أيامك على حمرة شمس الغروب ولسانك يدندن بأغنيات قديمة لست تذكر متى حفظتها، هم لايدركون أن لا إسقاط لمعانيها على طريقك الذي تمشي عليه منذ قيل لك ذات يوم : انطلق، رافقك الله .. هم يسألونك، وما المسؤول بأدرى من السائل، ولا السائل بأدرى من المسؤول ..

المياه كلها بلون الغرق

ما الذي أراد سيوران أن يقوله من خلال هذا الكتاب ؟ .. في الحقيقة لم أستطع إستيعاب كل الشذرات الرصاصات التي نفثها سيوران هنا، ليست كل الشذرات واضحة المعنى ولا سهلة الإدراك، لكنها عميقة جدا في مجملها .. كل شيء عبثي عند سيوران و مثير للسخرية و التهكم، لكن بطعم الحسرة والحيرة والقوة في نفس الوقت، لا تدري بالظبط هل يريد أن يقنعك بالإنتحار أم بالتشبث بالحياة والتصالح معها بعد أن تتشبع بكل عبثها و بكل اللامعنى الذي يحيط بها من كل جانب .. الكتاب متميز جدا و أنصح بقراءته بشدة رغم كل السوداوية التي يحويها ..

.. مجرد زهرة

من مقهى إلى مقهى، و من شارع الى شارع .. أبحث عن اللاموجود، عن اللامحسوس، عن اللامعرف، عن كل شيئ وعن لاشيء .. هراء! ..أي نصر هذا الذي يمكن أن ينتظره إنسان من حرب المعنى! .. حرب هي نفسها بلا معنى .. هممت بأن أقطف زهرة من أجل حبيبتي أو ربما من أجل نفسي، لكن أمنية تناهت الى مسامعي بين حطام اﻷماني منعتني من ذلك .. كانت على شكل صوت بعيد ينادي : “ليتني كنت زهرة .. مجرد زهرة زرقاء اللون على ناصية الشارع المهجور” .. الطفل الصغير يضحك، يتبع الفراشات ويدوس في طريقه على حقل الزهور، تناهت الى مسامعي ضحكاته .. آه، كم دسنا وقطفنا من الزهور .. لماذا تمنيت لو كنت زهرة وأنت حتما ستصير كذلك.. هل ترى كل هذه الاشجار والزهور حولك .. إن فيها جزءا منا .. جزء حقيقي منا، من أجدادنا و أسلافنا .. عندما تموت ستنبت حتما عند قدميك زهرة أو حتى نبتة حريقة ستحمل بعضا منك .. ستذرو الرياح بذراتها أو ستحملها نحلة الى مكان بعيد .. ستنبت زهرة أخرى فيها هي اﻷخرى شيء منك .. سيمر بجانبها شخص كان جالسا للتو في مقهى غير بعيد باحثا عن اللاموجود، عن اللامحسوس، عن اللامعرف، عن كل شيئ وعن لاشيء، سيقطف الزهرة من أجل حبيبته أو من أجل نفسه، أو ربما سيمتنع عن ذلك حينما سيباغته فجأة صوت ينادي من بعيد : “ليتني كنت زهرة .. مجرد زهرة زرقاء اللون على ناصية الشارع المهجور” ..

أحلام إنشتاين

كتاب أحلام إنشتاين تحفة بكل المقاييس و واحد من أروع وأعمق ما قرأت .. كتاب يسبح بك في عوالم خيالية تنضح بالمعاني العميقة جدا .. كتاب يجعلك تفكر، لا بل يجعلك تتفكر في الحياة بشكل عميق جدا .. الكتاب يأخذك في رحلة فريدة عبر الزمن، بأشكاله الخيالية والحقيقية في نفس الوقت .. الزمن ذلك المعلوم المجهول، البسيط المعقد، السهل الممتنع، الصعب المتيسر، المليء بالأسرار .. أنصح بشدة بقراءة هذا الكتاب، ليس كما تقرأ الروايات أو الكتب العادية بل كما يمكن تقرأ الحياة نفسها، بكثير من التأمل و التفكر والإسقاط على ما نعيشه و نراه في حياتنا اليومية دون أن نتدبر فيه أو نلاحظه بعين الدهشة ..