تحية عابرة للحزن

لكل المغتربين عن أوطانهم في هذه الأثناء .. للذين تلفح قلوبهم آلام فراق لا تندمل وجراح أشواق لا تنتهي ..للذين يعيشون دائما بين نارين منذ أن تركوا وطناً لا يرحم ليرتموا في احضان غربة كالجحيم ..

لكل الذين يسابقون الزمان .. للكادحين الساعات الطوال من أجل كسرة خبز .. لقمة تسد رمق أفواه صغيرة تنتظر كل مساء ..

للمتشردين الذين لا مأوى لهم إلا الشارع ..للذين يتوسدون الأرض و يلتحفون السماء ..للذين يحلمون بأربعة جدران تحيطهم وسقف يقيهم حر الشمس و قر الليالي الباردة ..

للفقراء الذين يموتون برداً في الجبال .. هناك حيث لا معنى للعدل و لا للحق و لا لكل القوانين التافهة ..

للنساء اللاتي ينتظرن ابن الحلال أن يطرق الباب و يخرجهن من كآبة الانتظار على قارعة العنوسة .. إبن الحلال الذي قد يأتي و قد لا يأتي أبداً..

للحارس الليلي الذي تسكن كل الدواب حوله ليخلدوا إلى النوم .. و يبقى وحيدا يصارع النوم و البرد و كآبة المساء ..

لكل الذين فارقهم الأحبة إلى ما وراء البحار طلبا للقمة العيش على اعتاب الغرباء .. تاركين ورائهم قلوباً تتفطر لفراقهم .. وأمهات لا تجف مآقيهن ..

لكل الذين ينتظرون أحبائهم الذين دخلو غرفة العمليات و أجنحة الإنعاش و أيديهم على قلوبهم ..للذين تمر عليهم الدقائق كالشهوور في إنتظار خبر قد يطمئن القلوب المكلومة .. أو قد ينعي كل أمل في اللقاء ..

للآباء والأمهات الذين رماهم ابناؤهم في دور العجزة .. متأرجحين بين حزن الوحدة وألم الخذلان .. وبين حب لا زال يدب بين شغاف القلب الوهن ..

للجنود الذين هم على الجبهات التي قد تشتعل في أية لحظة .. للذين لا يعرفون أيرون أبنائهم مرة أخرى أم أن الروح ستمضي على غفلة والقلب ينفطر شوقا للأحبة ..

لكل الذين خطف منهم الموت حبيباً .. للذين يجترون أوجاع الفراق كل صباح حين يرونه في كل ركن .. حين الدخول إلى غرفته .. أو حين رؤية ملابسه و أغراضه .. أو حين يصادفون رائحة عطره المفضل ..

لكل الذين يغلف قلوبهم الحزن في هذه الأثناء …. لا تنسوا أنكم لستم وحدكم من يتألم .. و أن بعد العسر يسرا .. لكم جميعا .. هذه تحية عابرة للحزن .. مغلفة بكل الحب ..

من وحي الوصول

ما ذنب الموت إن كان القاتل أخ المقتول .. ما ذنب الطريق إن كان الحذاء مؤلما .. ما ذنب المطر إن كانت أرضنا ملأى بالحفر .. ما ذنب الوطن إن كان الحاكم متجبرا .. ما ذنب العين إذا أدمعتها الأحزان .. ما ذنب الحب إن كان الحبيب ذئبا .. بل ما ذنب الذئب لما قست قلوب الإخوة .. و ما ذنب الزمان إن مرت أعمارنا هباء و أيامنا سدى ..ثم ما ذنب الطريق إذا أعيانا المسير .. و ما ذنب الطفلة التي راحت ضحية للثورة و للحرية وهي لا تدري ما الثورة ولا ما الحرية ..ثم ما ذنبي أنا إن كان الضياع قدري والهزيمة هي كل نهاياتي .. أتفقد نفسي بعد السفر الطويل فلا أعرفني .. أكتشف أني ضعت وسط الزحام و أني ضيعت الكثير مني في الطريق .. مياه كثيرة جرت تحت الجسر .. و الجسر كما هو .. في مكانه لا يتزحزح .. كما أحلامي التي حرمتني من الرسو على شاطئ .. و جعلتني في بحت دائم عن ما ظننتني في حاجة إليه، رغم أني لم أتبين يوما له طبيعة ولا هوية .. ثم لم أحصد في النهاية غير الفشل .. ضحيت بالماضي من أجل مستقبل رسمته في أحلامي .. و عندما جاء المستقبل و جدته فارغا تعوي فيه الرياح ..حتى الحب تركته ورائي بعدما وجدته ووجدني .. تخليت عنه بلا رحمة .. اعتقدت واهما أن الأيام ستجمعنا مرة أخرى .. فلا منطق يمنع ذلك بما أني لقيته اليوم .. اكتشفت الآن كم كنت غبيا .. و كم هو صعب أن تجد في دنيا الناس من تحبه و يحبك بصدق .. اكتشفت بعد الوصول أني أخطأت الطريق ..و أن بحثي لم يكن بحثا و إنما ضياعا في ضياع .. لكن فقط بعض فوات الأوان ..ولسخرية الأقدار ، الحياة لا تمنحك سرها إلا بعد أن تحرق مراكب العودة بقليل .. رفعت الأقلام وانتهى المشوار ..

نحن .. و حياة التيه

النهايات ليست إلا مداخل لبدايات أخرى كما الفجر ليس إلا غروبا يدير ظهره لآخرين في الجهة المقابلة من العالم .. يكاد الفرق بين النقيضين لا يرى .. بل لا يهم أصلا .. الحياة كلها أقرب إلى العدم منها إلى ما سواه .. و العدم لا قيمة له في حساب الوجود .. الليل والنهار مجرد خلفية من لونينين لمسرحية نحن أبطالها .. أو كراكييزها .. لا يهم .. المهم ما يشاهده الآخرون .. كأن حياتنا لم تعد ملكنا .. بل أصبحت مجرد واجب رتيب نقدم فيه أيات النفاق كل يوم للآخريين .. لا يهم أيضا .. إذ حيث لا قيمة للإنسان فلا قيمة لأفعاله أيضا ..  يا للتفاهة .. تساءلت مرارا لماذا نجهز غرفة الضيوف بأفضل ممتلكاتنا .. فقط ليدووسها الآخرون .. نلبس أحسن الثياب فقط ليراها الآخرون .. و نبذل الغالي و الرخيص فقط ليحبنا الآخرون .. دائما ما أتخيل نفسي أصفع أو أبصق في وجه الأشخاص المهمين والأنيقين الذين أقابلهم .. ربما نكاية في كل هذا الكم من النفاق الذي يغلف حياتنا .. و هاته التناقضات الغريبة السائدة في كل مكان .. حد التخمة .. وعليه فقد قررت أن أطرد كل الأفكار التي تسرق الدفء من دمي .. وتجعلني عرضة للتضحية من أجل كل هؤلاء الحمقى والأغبياء .. إضافة إلا أنه أنه من الغباء أن تكون ذكيا حين لا يجب أن تكون كذلك .. كما أن الأمر ليس بذلك السوء فما الذكي سوى شخص ليس غبيا بما يكفي ..
كان الصوت جهوريا بما يكفي لشد انتباهي
‎- هيه ، أنت .. ماذا تفعل هناك
‎- لا شيء ..أتأمل فقط
‎- إرحل من هنا .. وتأمل بعيدا
لا أدري لم انفجرت ضاحكا .. كان شعورا مؤلما حد الانشراح جمع الضحك الهستيري بالبكاء المقموع في داخلي.. بعد لأي رحلت .. بعيدا .. بعيدا ..

حين ضربنا بأسانا البحر

في بلادي سلبونا كل شيء .. أموالنا ، مشاعرنا ، كرامتنا بل حتى إنسانيتنا .. أصبحنا في نظرهم مجرد قطيع من الأصوات الرخيصة يشترونها كلما آن أوانها .. حتى الحب انتزعوه من قلوبنا فصرنا قساة على أنفسنا و على كل ما يمكن أن يدعونا للافتخار بالوطن والأرض و الجذور التي تربطنا بها .. لم نعد نطيق العيش هناك .. بل لم يعد لنا أصلا مكان لنعيش فيه إذ ضيقوا علينا أرضنا بما رحبت ..

قيل لنا ذات نصيحة عابرة لكن صادقة .. اضربو بـأساكم البحر وانجوا بابتساماتكم ، وقلوب كانت لكم ..واغرِقوا خلفكم الآخرين ..وهكذا  كان .. ركبنا قوارب الموت و ضربنا بأسانا البحر فارين من جحيم الوطن و  طالبين نعيم الضفة الأخرى …

لاحقتنا أوصال الرياح وظلمات اليم وهدير  الأمواج .. تسألنا وتعيد السؤال .. إلى أين المسير ومن أي شيء تهربون وإلى أي مصير  ..كان في صمتنا أبلغ الكلام وعلى وجوهنا كانت خرائط الفقرو قسمات البؤس  تحدث بالحال  والأحوال رغم كل الظلام الذي كان قد غلف المكان .. دقات قلوبنا عاندت هدير  البحر محدثة عن عشق ذاك  الوطن اللائح هناك خلف السواد ..ذاك الذي رمانا بلا رحمة لنتسول العيش على أعتاب  الغرباء…

و هكذا كان ضربنا بأسانا البحر فارين من ذاك الجحيم  .. لكنه في النهاية عاد لنا أكثر وخزاً وإيلاما ..وعندما أغرقنا الآخرين خلفنا .. طاردونا في أحلامنا وأمنياتنا وكل الذكريات ..

نكون واهمين حقا عندما نقول أن لدينا القدره على نسياهم .. والنجاة بابتساماتنا .. فهم هناك يرهنون الأحباب والقلوب التي أبت أن ترافقنا .. سعيدين ومتبجحيين بانتصاراتهم على حساب قلوب تغرق وحيده في ظلمات ما وراء البحر دون أن يأبه لها أحد .. أو ينصت لنبضها أحد..

رحلة البحث عن آفاق أرحب

كثيرا ما تضيق بنا آفاقنا و تقصر عن استيعاب مرمى أبصارنا .. كثيرا ما نريد الفرار من أماكن تواجدنا نحو أخرى أكثردفئا و أقل قسوة ..

كثيرا ما يتنكر لنا الوطن في لحضة ما .. يقسو علينا ..رغم برنا به ، رغم أننا نحبه الحب العظيم إلا أن صدره كثيرا ما يضيق عن استيعابنا , يجرحنا و قد لا يبالي حتى بالجراح الغائرات التي أحدثها في أعماقنا  .. 

كثيرا ما ننظر حولنا فلا نجد غير اليأس متربصا في الأفق و حول الطريق .. اليأس الذي يكاد لا يبرح مضاربنا كأنما لعمري كنا أهله أو قبائله ..

و كثيرا ما نصطدم بالخيبات هنا و هناك لكننا رغم ذلك ننهض من جديد للبحث  من جديد عن فرصة أخرى للحب من جديد و النجاح من جديد بل حتى عن وطن جديد و رفيق درب جديد ..

هكذا إذن تأتي هذه المدونة رفيقة لي في البحث عن آفاق أرحب ، أكثر صفاء   و أقل غشاوة ، في البحث عن الأمان .. عن الحب .. عن حضن .. عن وطن .. عن أشياء كثيرة  أجهلها لكني مع ذلك  أفتقدها بشدة.

مرثية الموت صمتا

لا شيء كالسابق .. أشياء كانت غريبة عنا تعودنا عليها فلم تعد تبهرنا و أشياء كانت عاداتنا أصبحنا نذمها و نحاضر في سوءها .. كل شيء فينا لم يعد كما كان .. كأننا لسنا نحن .. أشخاص كانو يوما ما أحباء ،، صاروا ثقلاء على القلوب .. و آخرون أحببناهم و تعاهدنا معهم على عدم الفراق .. لكن نسونا و نسيناهم .. و راح كل منا في طريقه .. دون وداع و لا مراسم للرحيل .
تنساب من خاطري أفكار بدون هوية تختلج شغاف قلبي فتسري فيه أحاسيس الضياع .. كالتي تجتاح الراحل العارف بأنه لن يعود .. أسيرا للشجى إذ قلاه الزمان .. ليت شعري .. أي أمل يمكن أن يواسيه وهو لم يعد في حاجة إليه ؟ لكم هو قاس أن تجد نفسك وحيدا في دنيا الناس كالطيف المتشرد ، بلا حضن، بلا حاضر ولا آت .. أن تمتهن الضياع وتتعود الفراق .. أن ترى الأفق أمامك مجرد كومة من الظلام ،،طريقا مسدودا باتجاه وحيد .. أن تحب و تلقى غير ما تحب ، أن تتساءل كل انكسار ما الذي عليك أن تريد حتى لاترجع إليك يداك خائبتين ، أن ترى كل ما حولك بائسا يهمس في أذنيك بالنحييب .. أن تحمل بين جنبيك شعورا قاسيا بذنب لم تقترفه يداك .. أن تكون حياتك بحرا آسنا .. بلا أمواج .. بلا رياح .. بلا شطآن ..

مسافرون بلا طريق .. وخاسرون بلا قضية

المنظر هنا جميل .. من على شرفة مقهى مطل على كورنيش مدينة طنجة .. المدينة التي لم أحبها يوما والتي تأبى أن تفارقني .. أرتشف قهوتي ال’ نصف نصف ‘ وأتطلع إلى أفواج المارين .. رجال ونساء يجترون حياة تنضح بالخيبات .. أو هكذا خيل لي .. أتأمل في ما وراء البحر .. حيث الضفة الأخرى تلوح في الأفق .. الناس هناك يصنعون التاريخ .. ونحن هنا نعيش على هامشه .. نلعن الظلام .. ونسب الدهر .. مسافرون بلا طريق وخاسرون بلا قضايا .
سئمت فعلا تسلق جدار اليأس كل يوم .. لم أعد أطيق العيش هنا .. أريد الهجرة بعيدا .. ونسيان كل شيئ .. لم أعد أريد أن أشعر بالتفاهة حين أجد نفسي حاملا هم الدنيا على كتفي معتقدا أن بإمكاني أن أغير شيئا .. واهما أن النضال من أجل الحق شيئ مقدس ..لم أعد أطيق أن أحس بأني مغبون ومثير للشفقة حين أفكر بالتضحية من أجل كل هؤلاء الأغبياء والحمقى الذين يملأون البلاد .. أستدرك متطلعا إلى ساعتي .. يبدو أني شردت طويلا .. أحمل مفاتيحي ومذكرتي .. أتمتم بكلمات لم أتبينها .. ثم أغادر ..

الوطن .. وصخرة سيزيف

منذ عام الجني و الحصاد وحلول الخريف قبل الشتاء ومنذ طلوع الشمس على خيباتنا للمرة الثالثة بعد عدد غير محدود من المرات ومنذ أن كذب نيسان للمرة الأولى على أيار دون أن يدري أنه بذلك أحدث سنة الكذب المباح بين العباد ومنذ أن تعاقب الليل والنهار على سلب أيامنا وجرنا رغما عن أنوفنا نحو الحتف المتربص في الأفق وحول الطريق ..
منذ كل هذا ومنذ كل ما تبقى وأنا أسأل .. حتى متى هذا الشقاء يا وطني ؟ أ وليس من هذا الكابوس استفاقة ؟

كدت أن أشبهك ب « سيزيف » وصخرة العذاب الأبدية التي يتحمل مشاق الطوح بها إلى الأبد .. لولا أن تراجعت مستدركا أنه كان لئيما ماكرا بالقدر الذي يستحق معه ما ناله من العذاب .. أما أنت فمسكين ساذج تعود على البؤس حتى نسج معه علاقة عشق آثمة في مشهد ماسوشي مثير لكل أنواع للشفقة مع نوعين على الأقل من الاشمئزاز ..

الفقر .. والجهل شر البلايا وأشد الطوام ولا تزال كسرة الخبز القاسية كالجزرة المعلقة على عنق البهيمة تظل تسعى وراءها ببلاهة و كلما أسرعت في طلبها كلمة ابتعدت أكثر ..فلا هي بالتي ظفرت بها وأكلتها ولا هي بالتي إلتفتت إلى غيرها وباقي شؤونها .. تماماً كما يريد صاحبها