تأملات

الواغل ..

سيف من خشب، يصلح للفرن، لكن ليس للحرب ..

أعداء من ظلال، تهرب فيتبعونك، تتبعهم فيتفلتون ..

طواحين هواء، تهتف للريح : هيت لك!، فيقع في الفخ..

حبل يقلد أفعى، دون أن يجرؤ على تقليد مقصلة ..

حرب الغرباء على الغرباء، يحمل أنباءها غرباء على عجل كي تصل ساخنة إلى غرباء آخرين يستعدون لتناول وجبة العشاء ..

عقرب يلاحق عقربا، يتواعدان على اللقيا عند الثانية عشرة، يطغى أحدهما على الآخر، فيفترقان ..

هدية أشبه بفخ، أكثر شبها بثقل، أبعد ماتكون عن الهدية ..

واغل يبني بيتا واهنا، كي يهدمه، كي لاينفرد بنفسه فيهدمها، العابرون لا يعرفون ذلك، ولهذا يكتفون بالسخرية..

سجين يرسم بابا على جدار الزنزانة، بجانب الباب ينعكس ظله على الجدار، الباب وهم، الظل حقيقة ..

نص من جمل متوازية، كأنها صور، كل صورة كأنها عثرة، كل عثرة بكبوة، كل كبوة بفرصة لاحتضان الأرض، للعودة إلى التوازن، للتمتع بفضائل الوحدة، للتخلص من خوف التعثر، لتذوق الإستسلام اللذيذ، للحياة من جديد ..

ضحايا ..

في الحياة لديك خياران، الأول هو أن تلعب دور الضحية وتحكم على العالم من ثقب في جدار قوقعتك، أن تتباكى كل مساء على حظك السيء في هذه الحياة، وتشتكي من ظلم الناس وقسوتهم ولا مبالاتهم بآلامك وبنواياك الطيبة، وسوف تكون صادقا في ذلك طبعا، لكنك ستكون بذلك شخصا تافها، مثيرا للشفقة وعالة على غيره .. أما الخيار الثاني فهو أن تتقبل بصدر رحب أنك ضحية ثم لا تبالي، وذلك لسبب بسيط وهو أن كل الناس ضحايا، أن تحتفظ بعذابك لنفسك، لأن كل شخص لديه نصيبه الذي يكفيه منه، ثم تستسلم لما أنت عليه، دون دراما، دون خوف من الشلال الذي ينتظرك وينتظر الجميع في آخر النهر، ثم تسخر من نفسك ومن آلامك ومن تعبك من العالم بل وتسخر من العالم نفسه وأن تتبول عليه إن استطعت إلى ذلك سبيلا ..

الآخرون ..

أفشل الشعراء هم الذين يرغبون بشدة في أن يكونوا كذلك، بأي ثمن .. أما الشعراء الحقيقيون فلا تصنعهم سوى أقدارهم .. هذا هو السر، قدر الحرية لاشيئ أمام حرية القدر فيك .. كل ما سبق مجرد هراء ولعب بالكلمات، لكنه انطلى عليك طبعا .. حسنا، لاتذهب بعيدا عنك .. الآخرون ليسوا إلا أغبياء وحمقى .. هم لم ولن يفهموا شيئا على الإطلاق مهما تظاهروا بذلك .. العالم جميل بلا آخرين .. شفاف وصادق، وبلا أقنعة لخنق الأنفاس .. عندما تكون وحيدا، يمكنك أن تكون ما تريد .. أن تكون أنت أرضك، قمرك، شمسك وكل سمائك، بل وكونك الكامل والوحيد .. خالصا لك.. لك وحدك.. لتفعل به ما تشاء .. يمكنك أن تكون نرجسيا للحد الذي تحب، أو مغرما بذاتك حد الجنون، دون حاجة لتقتسم هذا الحب مع أي كائن آخر .. يمكنك أن تكون مؤمنا بأنك كامل ومثالي، بل وحتى مقدس، دون أن يعكر نشوتك وزهوك بنفسك غبي ما أو أحمق ليخبرك بكل فظاظة أن لا أحد كامل أو مقدس .. بل يمكنك حتى أن تدعي النبوة، دون أن يزعزع ذلك عقيدة أحد، ثم تؤمن بنفسك، بسلام كامل، دون أن يفسد عليك إيمانك وسكينتك قوم تافهون وعديموا الذوق ليخرجوك من أرضك .. عندما تكون وحدك، يمكنك أن تكون شاعرا، بمجرد أن تريد ذلك، بلا نص ولا قوافي، ودون أن يفسد عليك خشوعك الشعري فظٌّ ما ليخبرك بأنك في الحقيقة لست بشاعر، وأن أفشل الشعراء هم الذين يرغبون بشدة في أن يكونوا كذلك، بأي ثمن، في حين أن الشعراء الحقيقيين لا تصنعهم سوى أقدارهم، ودون أن تبلغ به الفظاظة حد أن يختم تدخله السافر في شؤونك بجملة لا معنى لها من قَبيلِ أن قدر الحرية لا شيئ أمام حرية القدر فيك ..

التدعشش الخفي ..

التدعشش (اشتقاق من داعش) هو مجموعة أفكار قبل أن يكون حركة أو جماعة أو نظاما على أرض الواقع .. والدواعش ليسوا بالضرورة هم من يحملون السلاح ويعيثون في الأرض الفساد .. بل هناك دواعش ببذلات أنيقة، مهندسون وجامعيون ودكاترة، كثير منهم درسوا في أوروبا ويشتغلون في أكبر الشركات العالمية، مسالمون مثلنا، وطيبون طبعا، لكنهم يحملون أفكارا إقصائية ومتطرفة للغاية .. صحيح أنها تبقى مجرد أفكار ومواقف مشتتة وبعيدة كل البعد عن أي نوع من التطبيق، لكنها حالمة به للأسف بطريقة أو بأخرى.. أفكار إذا اجتمت مع بعضها البعض وتوفرت لها إمكانية أن تقوم على أرض الواقع فلن تعطي لنا إلا داعش بكل ماهي عليه الآن في سوريا والعراق وغيرهما..

بئر بلا سور ولاء ..

طمروا البئر القديم .. ثم حفروا بئرا آخر جديدا، بلا سور وبلا دلاء .. لم ألاحظ ذلك إلا بعد يومين من قدومي .. كل شيئ شاحب ومغبر، الشجر والحجر، الطيور والدواب، والكلاب الوديعة، بل وحتى الوجوه ..
في مكان آخر، وقبل قرابة الأسبوع، كان الجسد النحيل، الذي استحال جلدا على عظم، ممددا على سرير مهترئ .. الوجه شاحب كأوراق الخريف، القلب يرجف، في سباق، كان الأخير، مع الموت .. ثم تلك النظرة، بعينين مفتوحتين بالكاد إلى الربع .. تلك النظرة، كانت الأخيرة ..
كيف لي إذ ذاك أن أعرف أنها الأخيرة!؟ ..
– تعال وابن بيتا هنا!
– حسنا، سأفعل ذلك حتما ..
فتطمئن.
– أريد أن أبني بيتا من الطين، بسقف من قصدير ..
يضحكون!..
– أنت مجنون، من بربك يبني في أيامنا هذه بيوتا من الطين !!
– لا أعرف، كل ما أعرفه أني أحب البيوت ذات الجدران الطينية .. وأحب أكثر وقع قطرات المطر على السقوف القصديرية .. هذا كل ما في الأمر ..
لا أحد فهم شيئا مما قلت .. ولا حتى أنا .. كل شيئ وهم .. كل شيئ ضباب ..
– ماذا تريدين أن أهديك هذه المرة ؟ .. حسنا، سأجلب لك معي الكثير من الشوكولاتة الفرنسية..
– الشوكولاتة ؟ .. أحضر بدل ذلك الكثير من المال .. تجيب مازحة وهي تضحك ..
..
اللعنة على المال ..
وهل كل هذا العناء على أعتاب الأغبياء المهندمين إلا من أجل المال ..
هناك في ماراء البحر، يجلس المهندم بوقار زائف في قاعة الإجتماعات .. يثبت نظره إلي ثم يردف :
– أنت لا تصلح لهذه المهنة .. لهذا سنفسخ عقدك مع الشركة ..
ضحكت بفضاضة أزالت عنه هالة وقاره الزائف .. لكن في داخلي كنت أعرف أنه صادق .. أنا في الحقيقة لا أصلح لهذه المهنة .. ولا لغيرها .. مهنتي الوحيدة التي أتقنها هي التمدد مستسلما للزمن، كي ينهشني ببطء .. مشكلتي الوحيدة هي أن المهنة التي أتقنها لا تصنع مالا .. وبدون المال لا يمكنك أن تبني بيتا طينيا بسقف من قصدير ولا أن تحفر بئرا ولا حتى أن تهدي شوكولاتة فرنسية لمن تحب ..
الكل راحلون .. والموت مجاني، على الأقل ليس عليك أن تدفع مالا لتأخذ نصيبك الكامل منه .. لا ينغص وقار الموت ويفسد هيبته إلا تلك المسرحيات التي تسمى جنائزا .. لاشيء جيد في الجنائز .. إلا كونها فرصة للبكاء .. تلك اللحظة، حينما تختلط عليك الأمور فلا تدري إن كنت تبكي من لوعة الفراق الأبدي أم تبكي، وقد أتيحت لك الفرصة أخيرا، على نفسك الحاضرة، أم على نفسك السابقة بكل الأثقال التي تطوح بها، أم على نفسك المستقبلية، تلك التي سيلتهمها هذا الناموس نفسه كما سيلتهم كل من تحب ..
بئر جديد هناك، بلا سور ولا دلاء، حيث كل شيئ مغبر وبائس .. وبداية أخرى هنا من المربع الأول، كبئر جديد للغرق .. و ركض بائس لا ينتهي بين ناطحات السحاب والمكاتب الأنيقة، بلا روح، بلا قضية، وبلا أية غاية ..
ما أشبه الأشياء بالأشياء!، واليوم بالبارحة! .. ما أشبه هنا بهناك !..

العدم ..

أكبر عدو للإنسان ككائن ذي إدراك هو العدم، العدم مرعب، ولا ينكر رعبه إلا جاحد أو مغفل .. ولذلك سخر الإنسان على مر العصور كل طاقته الخلاقة كي يتناسى المآل والخواء الناتج عن هذا المآل بأن يبحث له عن معنى ما، المعنى هو تلك القشة التي يتشبث به الإنسان ككائن مصيره الحتمي هو الغرق في بحر العدم، الذي هوالأصل .. الحب، الآلهة، التضحية، الأخلاق، العقاب، الثواب، الإنجاب، العناية بالآخر، الإبداع، فكرة الخلود، الإنعتاق، الخلاص … كل هذه الأشياء ليست إلا نتاجا لهذا الهروب الدائم من رعب العدم والبحث الدائم عن المعنى .. كل هذه الأشياء هي تلك القشة .. القشة التي هي في النهاية لا يمكن أن تنجي من مصير الغرق .. أما أكثر ما يمكن أن تعطيه هذه المعاني أو تلك القشة للإنسان الغريق فلا يتعدى وهم النجاة للحظة، قبل أن يبتلعه العدم .. تلك اللحظة هي ما نسميها “الحياة” ..

الصنارة ..

كاتلوح الصنارة في البحر .. كاتسنى .. كاتسنى .. كاطلع ليك كابايلا، كاتردها للبحر وأنت تتمتم “إيوا صافي واش أنا ويا من قال أنا ناكل كابايلا، واش أنا وجه كابايلا دابا” .. ثم كاتردها للبحر .. كاتعاود ترمي الصنارة .. كاتسنى .. كاتسنى ..حتى كايفوت العاصر ونتا مازال كاتسنى .. ثم كاطلع ليك كابايلا عاود تاني، كاتشوف فيها ونتا ساكت هاد المرة وكاتردها للبحر .. كاتعاود ترمي الصنارة .. كاتسنى .. كاتسنى .. كاتسنى حتى كاطيب ترمتك وتقرب تغرب الشمس ونتا مازال كاتسنى .. ثم كاطلع ليك كابايلا .. كاتشوف فيها .. كاتشوف في البحر .. ثم كاتشوف فيها .. ثم كديرها في الصاك وتقول “ومالها كابايلا، مالها ماشي حوتة حتى هي” ..

أنا وظلي ..

أجلس أنا وظلي على حافة السرير، لا يفارقني ولا أفارقه .. نتصفح معا مقاطع هزلية على اليوتيوب، أضحك من قلبي بكل براءة، أما هو فيكتفي من حين لآخر بضحكة صفراء على مضض، هو يكره الضحك كما أكره أنا أكل الجزر، لكنه مع ذلك يجاريني، هذا ما فهمته من ردة فعله، أما لماذا يجاريني فلأنه لا يريد أن يقضي علي، هو الجلاد وأنا الضحية، لا ينوي أن يتركني بسلام لكنه في نفس الوقت لا يريد أن يقضي علي .. إن فنائي يعني فناءه بالضرورة .. أبتسم في وجهه كضيف عزيز رغم كل ما بيننا من شنآن .. أُعدُّ طبقا ما كيفما اتفق كي أتخلص بسرعة من إحساس مفاجئ بالجوع يباغتني أحيانا، أدعو ضيفي للأكل فيبتسم ثم يشيح بوجهه الى الجانب الآخر، له عداوة أزلية مع الأكل، هذا ما فهمته .. بعد فترة صمت طويلة بيننا إقترب مني وهمس في أذني بهذه الكلمات : ” الحديقة التي سقيتها طويلا لم تنبت لك غير الشوك .. الحديقة التي آوتك في ظلالها الحقيقية والوارفة لم تعطها غير فأسك وجنونك .. ما الذي أريده بك أكثر من هذا، بل ما الذي تبقى منك ؟ هكذا تريد أن تسألني .. اختلط عليك الأمر، هل ما تراه نقطة سوداء على صفحة بيضاء أم صفحة بيضاء بنقطة سوداء يتيمة في الوسط، هناك فرق شاسع بين الأمرين، هل ترى ذلك؟ .. أنظر إلى نفسك جيدا، أَقَذىً هذا الذي بعينيك أم حسير بصرك ؟ أم العيب في بصيرتك ؟ .. خضراء تلالك التي تحب، خضراء .. أنا وأنت نعرف هذا .. أما سحبك التي تنتظر فلا رياح لتحملك معها إلى هناك .. أنا الوحيد الذي بإمكاني أن أحملك إلى حيث أريد أنا .. ليس لك غيري ياصديقي.. إذهب حيث شئت، لكنك حتما ستعود إلي.. لا بأس، سأنتظرك إلى أن تتعب ولا تلجأ في النهاية إلا إليّ .. وحينها فقط سنرحل معا، أنا وأنت ، بكامل رغبتك ،ونحن نضحك ملئ أفواهنا، إلى حيث أريد ” ..

عن خطورة الإدراك ..

يقول دوستويفسكى “أقسم لكم بمغلظ الأيمان أيها السادة أن شدة الإدراك مرض، مرض حقيقى خطير .. إن إدراكاً عادياً هو -من أجل حاجات الإنسان- أكثر من كاف ..” .. الفكرة هنا في إعتقادي هي عن الإدراك بمفهومه العام وخصوصا حينما يتعلق الأمر بالاسئلة الكبيرة التي أرقت البشر على مر الأزمنة .. إن البحث عن المعرفة هو مثل الشرب من ماء البحر، كلما شربت منه كلما أحسست بالحاجة إلى المزيد وهكذا حتى ينتهي بك الأمر إلى الموت، والموت هنا في هذه الفكرة هو الضياع والحيرة والألم الذي قد يصاحب ملامسة شيء من الحقيقة، الحقيقة التي غالبا ما تكون غير كاملة وضبابية و مؤلمة .. وتذهب بالإنسان بعيدا عن منطقة الراحة، منطقة الأفكار السطحية والإجابات الجاهزة التي يرثها الإنسان عن المجتمع .. إن البحث عن الإدراك يحتاج إلى الخروج من منطقة الراحة هذه، يحتاج إلى طرح الأسئلة باستمرار، هذه الأسئلة تولد هي الأخرى أسئلة أخرى أعقد منها .. والبحث عن الإدراك يحتاج بالخصوص إلى الشك، والشك يؤدي إلى اللايقين والحيرة الدائمة، وكل هذا متعب، متعب جدا بالمقارنة مع الأمان واليقين الذي يصاحب الحالة الأولى البدئية التي يتقاسمها عامة الناس وهي حالة عدم الإدراك ..

رهان الوقت والمسافات ..

الكون يغذي وجوده بالحركة .. إن كونا بلا حركة هو كون بلا طاقة، وكون بلا طاقة هو كون غير موجود بكل بساطة .. بنفس الطريقة تتغير الأشياء والمواقف من الأشياء والأشخاص في حياتنا بصورة مذهلة، أنت اليوم ليس هو أنت البارحة، وبعد سنين طويلة ستكون شخصا آخر أنت نفسك لا تعرفه الآن .. نخسر كثيرا حينما نراهن على الوقت وعلى المسافات بيننا وبين الآخرين، إننا إذ نفعل ذلك ننسى أن التغير الكبير في مثل هذه اللعبة الخطرة هو الذي يمسنا نحن ويمس ذلك الآخر .. إن رهانات مثل هذه هي رهانات خاسرة بالتأكيد .. الحب يبلى، والجسم يهرم، وعقولنا تصنع لها أولويات جديدة ومواقف جديدة مع أشخاص جدد وداخل إطارات جديدة .. كل شيئ يتغير وكل رهان يقوم على الوقت والإنتظار وأخذ المسافات الى حين هو رهان خاسر وبلا معنى ..