Archive for 2016

الآخرون ..

أفشل الشعراء هم الذين يرغبون بشدة في أن يكونوا كذلك، بأي ثمن .. أما الشعراء الحقيقيون فلا تصنعهم سوى أقدارهم .. هذا هو السر، قدر الحرية لاشيئ أمام حرية القدر فيك .. كل ما سبق مجرد هراء ولعب بالكلمات، لكنه انطلى عليك طبعا .. حسنا، لاتذهب بعيدا عنك .. الآخرون ليسوا إلا أغبياء وحمقى .. هم لم ولن يفهموا شيئا على الإطلاق مهما تظاهروا بذلك .. العالم جميل بلا آخرين .. شفاف وصادق، وبلا أقنعة لخنق الأنفاس .. عندما تكون وحيدا، يمكنك أن تكون ما تريد .. أن تكون أنت أرضك، قمرك، شمسك وكل سمائك، بل وكونك الكامل والوحيد .. خالصا لك.. لك وحدك.. لتفعل به ما تشاء .. يمكنك أن تكون نرجسيا للحد الذي تحب، أو مغرما بذاتك حد الجنون، دون حاجة لتقتسم هذا الحب مع أي كائن آخر .. يمكنك أن تكون مؤمنا بأنك كامل ومثالي، بل وحتى مقدس، دون أن يعكر نشوتك وزهوك بنفسك غبي ما أو أحمق ليخبرك بكل فظاظة أن لا أحد كامل أو مقدس .. بل يمكنك حتى أن تدعي النبوة، دون أن يزعزع ذلك عقيدة أحد، ثم تؤمن بنفسك، بسلام كامل، دون أن يفسد عليك إيمانك وسكينتك قوم تافهون وعديموا الذوق ليخرجوك من أرضك .. عندما تكون وحدك، يمكنك أن تكون شاعرا، بمجرد أن تريد ذلك، بلا نص ولا قوافي، ودون أن يفسد عليك خشوعك الشعري فظٌّ ما ليخبرك بأنك في الحقيقة لست بشاعر، وأن أفشل الشعراء هم الذين يرغبون بشدة في أن يكونوا كذلك، بأي ثمن، في حين أن الشعراء الحقيقيين لا تصنعهم سوى أقدارهم، ودون أن تبلغ به الفظاظة حد أن يختم تدخله السافر في شؤونك بجملة لا معنى لها من قَبيلِ أن قدر الحرية لا شيئ أمام حرية القدر فيك ..

التدعشش الخفي ..

التدعشش (اشتقاق من داعش) هو مجموعة أفكار قبل أن يكون حركة أو جماعة أو نظاما على أرض الواقع .. والدواعش ليسوا بالضرورة هم من يحملون السلاح ويعيثون في الأرض الفساد .. بل هناك دواعش ببذلات أنيقة، مهندسون وجامعيون ودكاترة، كثير منهم درسوا في أوروبا ويشتغلون في أكبر الشركات العالمية، مسالمون مثلنا، وطيبون طبعا، لكنهم يحملون أفكارا إقصائية ومتطرفة للغاية .. صحيح أنها تبقى مجرد أفكار ومواقف مشتتة وبعيدة كل البعد عن أي نوع من التطبيق، لكنها حالمة به للأسف بطريقة أو بأخرى.. أفكار إذا اجتمت مع بعضها البعض وتوفرت لها إمكانية أن تقوم على أرض الواقع فلن تعطي لنا إلا داعش بكل ماهي عليه الآن في سوريا والعراق وغيرهما..

بئر بلا سور ولاء ..

طمروا البئر القديم .. ثم حفروا بئرا آخر جديدا، بلا سور وبلا دلاء .. لم ألاحظ ذلك إلا بعد يومين من قدومي .. كل شيئ شاحب ومغبر، الشجر والحجر، الطيور والدواب، والكلاب الوديعة، بل وحتى الوجوه ..
في مكان آخر، وقبل قرابة الأسبوع، كان الجسد النحيل، الذي استحال جلدا على عظم، ممددا على سرير مهترئ .. الوجه شاحب كأوراق الخريف، القلب يرجف، في سباق، كان الأخير، مع الموت .. ثم تلك النظرة، بعينين مفتوحتين بالكاد إلى الربع .. تلك النظرة، كانت الأخيرة ..
كيف لي إذ ذاك أن أعرف أنها الأخيرة!؟ ..
– تعال وابن بيتا هنا!
– حسنا، سأفعل ذلك حتما ..
فتطمئن.
– أريد أن أبني بيتا من الطين، بسقف من قصدير ..
يضحكون!..
– أنت مجنون، من بربك يبني في أيامنا هذه بيوتا من الطين !!
– لا أعرف، كل ما أعرفه أني أحب البيوت ذات الجدران الطينية .. وأحب أكثر وقع قطرات المطر على السقوف القصديرية .. هذا كل ما في الأمر ..
لا أحد فهم شيئا مما قلت .. ولا حتى أنا .. كل شيئ وهم .. كل شيئ ضباب ..
– ماذا تريدين أن أهديك هذه المرة ؟ .. حسنا، سأجلب لك معي الكثير من الشوكولاتة الفرنسية..
– الشوكولاتة ؟ .. أحضر بدل ذلك الكثير من المال .. تجيب مازحة وهي تضحك ..
..
اللعنة على المال ..
وهل كل هذا العناء على أعتاب الأغبياء المهندمين إلا من أجل المال ..
هناك في ماراء البحر، يجلس المهندم بوقار زائف في قاعة الإجتماعات .. يثبت نظره إلي ثم يردف :
– أنت لا تصلح لهذه المهنة .. لهذا سنفسخ عقدك مع الشركة ..
ضحكت بفضاضة أزالت عنه هالة وقاره الزائف .. لكن في داخلي كنت أعرف أنه صادق .. أنا في الحقيقة لا أصلح لهذه المهنة .. ولا لغيرها .. مهنتي الوحيدة التي أتقنها هي التمدد مستسلما للزمن، كي ينهشني ببطء .. مشكلتي الوحيدة هي أن المهنة التي أتقنها لا تصنع مالا .. وبدون المال لا يمكنك أن تبني بيتا طينيا بسقف من قصدير ولا أن تحفر بئرا ولا حتى أن تهدي شوكولاتة فرنسية لمن تحب ..
الكل راحلون .. والموت مجاني، على الأقل ليس عليك أن تدفع مالا لتأخذ نصيبك الكامل منه .. لا ينغص وقار الموت ويفسد هيبته إلا تلك المسرحيات التي تسمى جنائزا .. لاشيء جيد في الجنائز .. إلا كونها فرصة للبكاء .. تلك اللحظة، حينما تختلط عليك الأمور فلا تدري إن كنت تبكي من لوعة الفراق الأبدي أم تبكي، وقد أتيحت لك الفرصة أخيرا، على نفسك الحاضرة، أم على نفسك السابقة بكل الأثقال التي تطوح بها، أم على نفسك المستقبلية، تلك التي سيلتهمها هذا الناموس نفسه كما سيلتهم كل من تحب ..
بئر جديد هناك، بلا سور ولا دلاء، حيث كل شيئ مغبر وبائس .. وبداية أخرى هنا من المربع الأول، كبئر جديد للغرق .. و ركض بائس لا ينتهي بين ناطحات السحاب والمكاتب الأنيقة، بلا روح، بلا قضية، وبلا أية غاية ..
ما أشبه الأشياء بالأشياء!، واليوم بالبارحة! .. ما أشبه هنا بهناك !..