Archive for 2014

نهر أبي رقراق ..

نهر أبي رقراق .. أيها الأزرق الوديع .. لقاؤك الشاعري بالبحر كأنه قصيدة أو قطعة موسيقية .. معزوفة فقط بصوت ناي أزلي حزين .. هناك تلتقي بالبحر .. على قدم اﻷوداية و مقابر المدينة القديمة و صوت الآذان و النوارس المحلقة فوق مراكب الفقراء الصغيرة، المرابطة دون كلل على ضفافك منذ القدم .. سأودعك هذه المرة أيضا أيها الشاعري الوديع .. على أمل لقاء آخر على ضفافك يوما ما، كما تلتقي بالبحر في كل مرة بعد سفر طويل بين الجبال العالية و الهضاب الجدباء و السهول الممتدة حتى مداخل المدينتين ..سأرحل عنك هذه المرة أيضا .. و لنا إن شاءت اﻷقدار لقاء قريب .. قد يأتي و قد لا يأتي ..

باريس ..

أحب باريس .. لكن باريس لا تحبني .. مشغولة عني بآلاف العابرين .. و مشغول خاطري بغيرها .. أجمل ما في باريس نهرها العظيم و موسيقيو الشوارع الذين يبيعونك كل أنواع النغم, بمقابل أو بدونه، كما تحب .. كثير منهم موهوبون جدا لكن خانهم الطريق الى النجاح و الشهرة .. كل ما يمكنك أن تطلبه من الحياة هو الحظ .. الباقي مجرد تفاصيل .. أحب أزقة باريس الباردة حيث تحلو الوحدة و التسكع الطويل بلا أية وجهة .. وبلا خوف من قطاع الطرق .. في باريس يمكنك أن تسمع و تتحدث كل اللغات و تصادف كل السحنات في يوم واحد .. يمكنك أن تجد كل شيئ في باريس, الغنى و الفقر, الفرح و الألم، الحظ و التعاسة, والكثير من الضائعين الذين يجوبون الطرقات مطأطئي الرؤوس و كأنهم بلا أرواح .. و كأنهم يفتعلون حياة بلا هدف ولا معنى .. باريس مدينة العشاق المتنطعين بفرح على جسر الأقفال .. و مدينة البؤساء في الأزقة الخلفية و الضواحي المنسية .. مدينة الأحلام و الكثير الكثير من الخيبات ..

وشم الهزيمة ..

أي شعلة هذه التي قد تنال من الليل إذا ما نشر رداءه اﻷسود على الوجود .. وأي المراكب هذه التي تقدر على أن تشق بحرا آسنا بلا رياح و بلا شطآن .. بل أي فرح هذا الذي سيرتمي عند باب الجراح .. آه لو تعلمين، أي نجم بعيد تعلقت به رؤاي القديمة .. قبل أن ترجع إلي خائبة و بوشم للهزيمة كوشم الجدات الحزينات .. جئتك اليوم منهكا كمحارب غر خارج للتو من حرب بلا قضية و لا نصر، و بلا مجد .. أنظري الى عيني و حدقي في تعبهما طويلا .. تعب السهر الطويل في انتظار طلائع الخلاص .. انتظرت طويلا عيناي .. كما تنتظر اﻷم أبناءها الذين ركبوا البحر دون جدوى، دون أن يعودوا و لو من أجل لحظة واحدة للوداع .. أنت لا تدركين ذلك .. لا تدركين أي ركن قصي و معتم تقبع فيه روحي اﻵن .. تظنينني مستهترا و قاسي الفؤاد كالحجر، أو أشد قسوة .. أنا لا ألومك أبدا .. ما يحزنني أني لن أستطيع انتشال نفسي من قلبك كي تعيشي حياتك كما تمنيت طويلا، بلا وجع و بلا أحزان .. ولا انتشال قلبي من وحدته ومن ماضيه، كي يحبك كما تشتهين .. و لهذا صرت وحيدا، كالرهبان في صوامع القرى المنسية .. حزينا كارتداد أصوات النوارس عند أجراف الجزر المهجورة .. و باائسا، كنبي بلا أتباع .. بلا رسالة .. و بلا معجزات .. ليتك تدركين ..

نقطة للنهاية ..

نقطة للنهاية ثم عودة الى السطر، الى نفس المربع الأول، القديم .. لا وقت للدموع .. ولا و قت كذلك للحكي من جديد .. و إلا لكنت بحثت لي عن قصة أخرى أبثها شخوصي المتعبة و المتناحرة .. ذات غمرة حب قالت لي : ” سأضمك إلي ولو كنت جمرا” .. لكني يوم احترقت بحثت عنها فلم أجد أحدا حولي غير نفسي .. فتماهيت معها .. ثم احترقنا معا .. ليس لي الآن إلا أن أصير رمادا .. كي تذروني كل الرياح .. لن أقول لا في وجه ريح الشمال ولا ريح الشرق البحرية .. بل و لا حتى ريح الجنوب الدافئة .. سأميل معها حيث مالت .. حتى النسائم يمكنها أن تذهب بي الى حيث شاءت .. و لو الى شبر واحد عني .. حيث المربع الأول .. الذي يلي نقطة النهاية .. حيث السطر الأبيض الفارغ من الحكي و من المعنى ..

في حب الكسل ..

أنا لا أفعل أي شيئ في العمل .. لا أنجز أي شيئ منذ شهر كامل .. إني فقط أتظاهر بالعمل أمام شاشة حاسوبي .. و من حين لآخر أقوم لأشرب فنجانا من القهوة أو الكابوتشينو كي أرتاح قليلا .. التظاهر بالعمل متعب جدا .. ربما أكثر من العمل الفعلي نفسه .. كل شيئ تافه هنا و بلا معنى .. الشيئ الوحيد الذي أنتظره بفارغ الصبر هو أن “تفرش” القضية و “تتفركع” هذه الرمانة كي يطردوني من العمل شر طردة .. مسيرو هذه الشركة أغبياء فعلا، لو كنت مكانهم لطردتني في الحال و دون أدنى تردد .. كل يوم آخر أقضيه في العمل هو خسارة فعلية لهم .. أنا هو النموذج المثالي للشخص الذي لا يجب على الشركات توضيفه .. ليس لي أية رغبة في العمل أو إنتاج أي شيئ .. أحب أيام البطالة الجميلة حيث يكون لدي ما يكفي من الوقت للتيه في الطرقات والأزقة الخلفية و للتأمل الطويل الفارغ من المعنى هو الآخر .. لكن على الرغم من خلوه من المعنى فهو ممتع رغم ذلك، على عكس العمل .. اتفاقا مع العبقري برتراند راسل حين يرى أن الوقت الذي تستمتع بتضييعه ليس وقتا ضائعا على الإطلاق .. أريد أن أنام طويلا كي أحطم رقمي القياسي في عدد ساعات النوم و الذي سجلته بفخر كبير قبل عدة سنوات .. أريد أيضا أن أتفرغ لفعل “لا شيئ” دون أي إحساس بالفراغ أو الخواء النفسي أو اللاجدوى، بل برضى تام و سكون داخلي كامل .. دون أن أكون مضطرا للبس ربطة غبية للعنق و للابتسام في وجه العملاء البلداء كل صباح أو الرد على رسائل المدراء الغبية .. أنا الآن لا أفعل أي شيئ ولا أنجز أي شيئ على الإطلاق .. نكاية بنفسي و بالآخرين و بكل هذه التفاهات ..

مصير العالم ..

شعري أصبح طويلا جدا و أشعثا .. لم أحلقه منذ سبعة أشهر .. أمي تطلب مني مرارا أن أقصه ﻷنها تعتقد أنه يخفي ملامحي و وسامتي، فأبدو مثل المتشردين .. خصوصا و أني لا أمشطه الا نادرا .. لم أحب يوما الذهاب الى الحلاق .. كما لا أحب حلق لحيتي فقط من أجل ضرورات العمل التافهة .. يا للأسف، العالم مليئ بالقوانين الاجتماعية والبروتوكولات الغبية .. و أنا لا أريد أن أكون مثل اﻵخرين .. مجرد شخص آخر، لا يختلف في شيئ عن عامة الناس سوى في نوعية آلامه و شكل معاركه .. من ابتدع كل هذا الهراء ؟! .. إنه عقل الإنسان .. ذلك المكون الغامض والمعقد الى درجة أنه قد يمثل كونا مصغرا يحمله كل واحد منا معه .. العقل هو ميزة الإنسان الأولى .. هو سبب كل فتوحاته و انجازاته العظيمة .. لكنه أيضا سبب كل آلامه ومعاناته .. كل شيئ هنا .. حتى سعادة الإنسان تعتمل في عقله .. مجرد كيمياء و هرمونات .. المزاج كيمياء .. والحب كيمياء .. والكره كيمياء .. والإيمان كيمياء .. كل شيئ عبارة عن معادلات و تفاعلات تتحكم في سلوك الإنسان و تصنع مصيره و من ثم مصير العالم .. حسنا، سأحاول بدوري تغير مصيري و من ثم مصير العالم ولهذا لن أحلق شعري ..

شاطئ الروح ..

مثل حطام سفينة غريقة و صل أخيرا الى الشاطئ .. شاطئ الروح المهجور .. حيث لا أحد غيري .. وحيدا و متعبا من صراع طويل مع الموج .. سأظل هنا مع نفسي .. لا أريد أن يسألني أحد كيف و لا لماذا وصلت الى هنا .. حتى أحبائي .. و لا أريد لأحد أن يجمع حطامي .. دعوني و شأني و خذوا نصائحكم بعيدا عني .. إني أصدق فقط ما أراه .. الجهة اﻷخرى المقابلة لي من الوادي أكثر خضرة .. ونصف الكأس الفارغ أكثر استفزازا لي من نصفها العامر .. لا يمكنني أن أغير ذلك .. ولا أريد .. حتى ولو كان ذلك مجرد وهم .. كل المنطق و كل الحقائق لا تفيد بالنسبة لي أمام هذا الوهم الجلي الماثل أمامي .. إنه حقيقتي .. التي أريد ..

على سبيل الصدفة ..

لا أحد يمكنه أن يتوقع ما يمكن أن يحدث له على سبيل الصدفة .. مشيت كثيرا هذا المساء .. بأفكار مشوشة و بدون اتجاه محدد .. قادتني خطواتي على سبيل الصدفة الى مكان عامر بالذكريات .. ذلك النوع من الاماكن الذي يجعلك تفكر طويلا فيما كنته و ما أصبحته .. تماما كما تكون لك المرآة العاكسة على الطريق .. و على سبيل الصدفة التقيت صديقا قديما .. تبادلنا أطراف الحديث و ضحكنا كثيرا ونحن نستذكر اﻷيام الخوالي التي عشناها ذات حياة .. أشياء كثيرة تحدث على سبيل الصدفة .. كأن تموت مثلا دون أن تكون لك أية فرصة لتودع الذين تحبهم و لا لتتزود بنظرة عميقة في أعينهم من أجل رحلتك الطويلة و الغامضة الى العدم .. أو قد يحدث أن تقع في الحب على سبيل الصدفة .. فتحيا من جديد و تزهر روحك من جديد من تحت الرماد .. رماد اﻷماني القديمة التي ماتت ذات يأس أو ذات سقوط من أعلى الى اﻷرض أو ربما الى الوادي السحيق .. وعلى سبيل الصدفة قد تكتشف طرقا جديدة ربما تقودك الى آفاق أرحب .. آفاقا قد تسع أخيرا ما أردته زمنا طويلا و ما تمنيت أن تكون .. و قد تلتقي حتى نفسك على سبيل الصدفة .. نفسك التي ربما كنت قد أضعتها في مكان ما .. في زمان ما .. من يدري، لربما تجد على سبيل الصدفة ما لم تجده على سبيل اﻹصرار و السفر الطويل في قطارات الحياة، حاكيا قصتك دون جدوى لعابري السبل و للغرباء في كل المحطات .. ربما ..

العالم عالمان ..

إنهم يريدونك أن تكون طيبا معهم على الدوام .. أن تبتسم في وجههم حتى عندما تحذوك رغبة عارمة في أن تصفع أحدهم بشدة حتى يختلط عليه الليل بالنهار .. يريدونك أن تحتفظ بمواقفك لنفسك فقط و أن تبلعها كل مساء بكأس من “الزعتر” أو بفنجان من القهوة المرة .. أن تمدحهم .. أن تعجب بذكائهم .. حتى و إن كانوا في مثل منطق حمار البلدية التعيس .. لا أحد يريد الحقيقة .. الكل يهرب منها قدرما يستطيع .. العالم عالمان .. عالم حقيقي خفي، طوعا وكرها .. و عالم غبي يتجول في الشوارع بعصا غليظة .. فإما أن تنصاع له و إما أن يكون قدرك النفي والعزلة ..

وهم ..

خط القطار “سين” أو ربما “صاد” .. المسجد القديم في أعلى التلة المطلة على حقول “التيرس” الممتدة حتى الأفق .. الميترو رقم “6” .. “قلعة الباستيل” حارسة “غرونوبل” .. ممرات “بوخالف” الغارقة في وحل الشتاء في الضواحي الكئيبة لمدينة طنجة .. الحافلة رقم “289” التي توصل الى الغابة و الى المنزل أيضا .. شجرات الرمان في حديقة بيتنا القديم .. ضفاف نهر السين الباردة .. و الحالمة .. الطريق الى المدرسة البعيدة على التلة اﻷخرى .. كلها تعرفني، حتى وإن لم يكن للأمكنة واﻷشجار ذاكرة .. أو هكذا خيل لي .. اليوم هو أول يوم في حياتي الباقية .. الطريق موحش رغم كل هؤلاء الغرباء العابرين .. نباح كلب جدتي في وجه الرياح التي تكسر صمت مساءات تلك القرية البعيدة يخترق اﻷفق والزمان ليصل الى مسامعي .. يختلط نباحه في أذني بصوت وقع الأصابع على على لوحات الحواسيب حولي، في هذا البناء الزجاجي الضخم والممتلئ بالعبيد المهندمين، حد التخمة .. من قال أن عهد العبيد قد ولى ؟! لم يتغير شيئ منذ ذلك الزمان .. فقط تم استبدال السلاسل الحديدية بربطات عنق زاهية اﻷلوان .. على الجهة الأخرى من الهاتف تؤكد لي السكرتيرة الموعد, الثاني من ديسمبر على الساعة السادسة والنصف مساء .. لست متأكدا إن كنت سأذهب فعلا أو أني سأطفئ هاتفي كالعادة في وجه الجميع .. لا شيئ يستحق .. لا أحد يستحق .. و لو قدمت لهم روحك على طبق .. لقالوا : لم يكن ذلك شيئا مذكورا .. وراء شاشة حاسوبي الصماء أطل من على التلة حيث المسجد القديم الذي يحرس الأفق .. في غفلة من الزمان المتجهم كعادته دائما .. أرى أضواء مدينة “القصر الكبير” كأنها إكليل ورد على رأس حقول الذرة و الشعير الفاتنة .. صوت الأذان الآن يخترق الأفق المخضب بألوان الشفق .. أذان المغرب, كالقداس في وداع الشمس الراحلة نحو المغيب .. بصوت المؤذن العجوز الذي أنهكته الحياة .. كل أولاده غادروا نحو المدينة أو ركبوا البحر في اتجاه المجهول .. وبقي هو هناك يراقب اﻷفق مثلي في صمت و يؤذن للصلاة بصوته الرخيم المختلط بحزن عميق كالبحر و قديم كتلك الأطلال المنتصبة بجانب المسجد .. شاشة الحاسوب تشبه السجن الى حد كبير .. ما الذي أفعله هنا ؟! .. أبيع حياتي القصيرة بدون مقابل .. بل و هل للحياة مقابل أصلا ؟! .. نحن كلنا ضحايا .. ضحايا ﻷنفسنا وللزمان وللنواميس .. كلنا هنا مسافرون والمحطة اﻷخيرة ليست ببعيدة .. كلنا خاسرون بل و بلا قضايا أصلا .. قضيتنا الوحيدة، اﻷولى واﻷخيرة .. هي الوهم ..