Archive for 2012

من وحي الرحيل

أزف الرحيل و آن موعد الفراق الحزين .. الفراق لا يخلف الموعد أبدا ليسلبنا فرحنا الصغير .. دون أن يترك لنا حتى هامشا للوداع .. أزف الرحيل هذه المرة قبل الأوان .. لينهي قصة بدت واعدة كزهرة صباح متوجة بقطر الندى قبل أن تدوسها أقدام العابرين .., .. وتسألينني ألا أضيع حبنا الذي رعيناه .. أنا فقط لم أخبركِ يوما أي ضياع أتخبط فيه .. ليت شعري، كيف يكون دليلا من ضل الطريق .. أنا ما خنت العهد الذي كان بيننا .. و لا نسيت عنواننا .. لكني ضيعت الطريق إلى ملتقانا بعد السفر الطويل .. و هاهو ذا الحنين يأخذني إليكِ .. فتسري في عروقي لوعة الشوق و تخنقني وحشة الغياب .. أبحث عبثا فيما حولي عن شيء من فرح كي أنساك .. لكن بحثي كالرماد في محب الريح ..أتطلع ذات اليمين و ذات الشمال فلا أرى غير الضياع .. عبثا أحاول أن أتفلت .. تخور قواي شيئا فشيئا ..و أرى كل آمالي تتكسر على ذكراك ..أدرك عند كل هزيمة أن لا حضن بعدك قادر على مواساتي ..أن شمسي بعدك واهنة بلا دفئ .. وأن قمري بعدك شاحب بلا وداعة .. أنا لم أعد أنا من بعدك .. لا شيئ تغير حولي .. لكن كل شيئ من بعدك مختلف ..

فلسفة الحياة

كل الذين يرقدون في القبور الآن .. كانو تماما مثلنا .. مثلي و مثلك .. كانت لهم أبدان و أسماء و معارف .. كانت لهم ملابس وأغراض يحتفظون بها .. كان لهم أشخاص يحبونهم .. و أعمال يقومون بها .. كانو تماما مثلنا كانت لهم مشاعر و أحاسيس .. كانو يبكون مثلنا و يفرحون مثلنا .. كانو يستيقظون كل صباح مثلنا يتناولون إفطارهم ثم يذهبون إلى أعمالهم و مزآرعم و متاجرهم و يرجعون في المساء إلى أهاليهم .. كانت لهم آمال و أحلام يسعون وراءها .. كانت لهم بيوت و أثاث و مطبخ و حمام .. كانو مثلنا تماما .. أين هم الآن و أين أحلامهم و أين تفاصيل حياتهم التي كانت تشغل كل تفكيرهم .. من يأبه لهم الآن .. من يتذكرهم حتى .. السماء من بعدهم لم تتغير .. لا زالت تحمل السحب كما كانت .. و الأرض من بعدهم لم تتغير مازالت تخضر كل ربيع و تجف كل صيف .. الكون لم يتغير فيه شيء برحيلهم .. كأنهم لم يكونو يوما .. صاروا هباءا .. لاشيء .. و كذلك نحن سوف نصير .. سيأتي يوم لن يذكرنا فيه أحد .. لن يفكر فينا فيه أحد .. لن ينتظرنا فيه أحد .. ولن يشتاق إلينا فيه أحد .. حيث سنصير كما لو أننا لم نكن يوما يوما .. الحياة قصيرة .. قصيرة جدا .. بل أقصر مما يعتقد أكثر المتشائمين .. لذا استغل وقتك بأن يكون لك إنجاز ما كل يوم .. إحرص على ألا يمر بك يوم دون أن تكون قد تعلمت شيئا أو عملت عملا ينفعك أو ينفع غيرك أو عبادة تشفع لك .. ساعد الناس و ستشعر بفلسفة الحياة و متعة الحياة .. إذا كنت لا تريد أن تشعر بالندم على عمرك يوما فساعد الآخرين .. أحسن إلى الناس ولو بابتسامة ، أشكر كل من يخدمك حتى و إن كنت ستدفع له .. كفكف دموع يتيم .. إشتر حلوى لطفل محروم .. تبرع ببعض وقتك في التطوع من أجل مساعدة المحتاجين ..الأعمال من هذا القبيل ستجعلك تحس بسعادة قد غفل عنها الكثيرون .. و ربما صدق من قال بأن السعادة لا وجود لها إلى إذا كانت مشتركة مع الآخرين .. حاول أن تبحث عما تحب .. استمتع بما تعمل ..أحب من حولك و سيرتد إليك الحب ليغمرك .. بأضعاف القدر الذي تمنحه .. طارد أحلامك بشجاعة .. حاول أن تنجح .. إجعل أحلامك حقيقة .. كن ما تريد ..و إجعل لحياتك معنى .. فهي ماضية بسرعة .. و لا تنس قلبك و روحك فهما جوهر تلك الحياة و سرها ..

تحية عابرة للحزن

لكل المغتربين عن أوطانهم في هذه الأثناء .. للذين تلفح قلوبهم آلام فراق لا تندمل وجراح أشواق لا تنتهي ..للذين يعيشون دائما بين نارين منذ أن تركوا وطناً لا يرحم ليرتموا في احضان غربة كالجحيم ..

لكل الذين يسابقون الزمان .. للكادحين الساعات الطوال من أجل كسرة خبز .. لقمة تسد رمق أفواه صغيرة تنتظر كل مساء ..

للمتشردين الذين لا مأوى لهم إلا الشارع ..للذين يتوسدون الأرض و يلتحفون السماء ..للذين يحلمون بأربعة جدران تحيطهم وسقف يقيهم حر الشمس و قر الليالي الباردة ..

للفقراء الذين يموتون برداً في الجبال .. هناك حيث لا معنى للعدل و لا للحق و لا لكل القوانين التافهة ..

للنساء اللاتي ينتظرن ابن الحلال أن يطرق الباب و يخرجهن من كآبة الانتظار على قارعة العنوسة .. إبن الحلال الذي قد يأتي و قد لا يأتي أبداً..

للحارس الليلي الذي تسكن كل الدواب حوله ليخلدوا إلى النوم .. و يبقى وحيدا يصارع النوم و البرد و كآبة المساء ..

لكل الذين فارقهم الأحبة إلى ما وراء البحار طلبا للقمة العيش على اعتاب الغرباء .. تاركين ورائهم قلوباً تتفطر لفراقهم .. وأمهات لا تجف مآقيهن ..

لكل الذين ينتظرون أحبائهم الذين دخلو غرفة العمليات و أجنحة الإنعاش و أيديهم على قلوبهم ..للذين تمر عليهم الدقائق كالشهوور في إنتظار خبر قد يطمئن القلوب المكلومة .. أو قد ينعي كل أمل في اللقاء ..

للآباء والأمهات الذين رماهم ابناؤهم في دور العجزة .. متأرجحين بين حزن الوحدة وألم الخذلان .. وبين حب لا زال يدب بين شغاف القلب الوهن ..

للجنود الذين هم على الجبهات التي قد تشتعل في أية لحظة .. للذين لا يعرفون أيرون أبنائهم مرة أخرى أم أن الروح ستمضي على غفلة والقلب ينفطر شوقا للأحبة ..

لكل الذين خطف منهم الموت حبيباً .. للذين يجترون أوجاع الفراق كل صباح حين يرونه في كل ركن .. حين الدخول إلى غرفته .. أو حين رؤية ملابسه و أغراضه .. أو حين يصادفون رائحة عطره المفضل ..

لكل الذين يغلف قلوبهم الحزن في هذه الأثناء …. لا تنسوا أنكم لستم وحدكم من يتألم .. و أن بعد العسر يسرا .. لكم جميعا .. هذه تحية عابرة للحزن .. مغلفة بكل الحب ..

من وحي الوصول

ما ذنب الموت إن كان القاتل أخ المقتول .. ما ذنب الطريق إن كان الحذاء مؤلما .. ما ذنب المطر إن كانت أرضنا ملأى بالحفر .. ما ذنب الوطن إن كان الحاكم متجبرا .. ما ذنب العين إذا أدمعتها الأحزان .. ما ذنب الحب إن كان الحبيب ذئبا .. بل ما ذنب الذئب لما قست قلوب الإخوة .. و ما ذنب الزمان إن مرت أعمارنا هباء و أيامنا سدى ..ثم ما ذنب الطريق إذا أعيانا المسير .. و ما ذنب الطفلة التي راحت ضحية للثورة و للحرية وهي لا تدري ما الثورة ولا ما الحرية ..ثم ما ذنبي أنا إن كان الضياع قدري والهزيمة هي كل نهاياتي .. أتفقد نفسي بعد السفر الطويل فلا أعرفني .. أكتشف أني ضعت وسط الزحام و أني ضيعت الكثير مني في الطريق .. مياه كثيرة جرت تحت الجسر .. و الجسر كما هو .. في مكانه لا يتزحزح .. كما أحلامي التي حرمتني من الرسو على شاطئ .. و جعلتني في بحت دائم عن ما ظننتني في حاجة إليه، رغم أني لم أتبين يوما له طبيعة ولا هوية .. ثم لم أحصد في النهاية غير الفشل .. ضحيت بالماضي من أجل مستقبل رسمته في أحلامي .. و عندما جاء المستقبل و جدته فارغا تعوي فيه الرياح ..حتى الحب تركته ورائي بعدما وجدته ووجدني .. تخليت عنه بلا رحمة .. اعتقدت واهما أن الأيام ستجمعنا مرة أخرى .. فلا منطق يمنع ذلك بما أني لقيته اليوم .. اكتشفت الآن كم كنت غبيا .. و كم هو صعب أن تجد في دنيا الناس من تحبه و يحبك بصدق .. اكتشفت بعد الوصول أني أخطأت الطريق ..و أن بحثي لم يكن بحثا و إنما ضياعا في ضياع .. لكن فقط بعض فوات الأوان ..ولسخرية الأقدار ، الحياة لا تمنحك سرها إلا بعد أن تحرق مراكب العودة بقليل .. رفعت الأقلام وانتهى المشوار ..