العدم ..

أكبر عدو للإنسان ككائن ذي إدراك هو العدم، العدم مرعب، ولا ينكر رعبه إلا جاحد أو مغفل .. ولذلك سخر الإنسان على مر العصور كل طاقته الخلاقة كي يتناسى المآل والخواء الناتج عن هذا المآل بأن يبحث له عن معنى ما، المعنى هو تلك القشة التي يتشبث به الإنسان ككائن مصيره الحتمي هو الغرق في بحر العدم، الذي هوالأصل .. الحب، الآلهة، التضحية، الأخلاق، العقاب، الثواب، الإنجاب، العناية بالآخر، الإبداع، فكرة الخلود، الإنعتاق، الخلاص … كل هذه الأشياء ليست إلا نتاجا لهذا الهروب الدائم من رعب العدم والبحث الدائم عن المعنى .. كل هذه الأشياء هي تلك القشة .. القشة التي هي في النهاية لا يمكن أن تنجي من مصير الغرق .. أما أكثر ما يمكن أن تعطيه هذه المعاني أو تلك القشة للإنسان الغريق فلا يتعدى وهم النجاة للحظة، قبل أن يبتلعه العدم .. تلك اللحظة هي ما نسميها “الحياة” ..

الصنارة ..

كاتلوح الصنارة في البحر .. كاتسنى .. كاتسنى .. كاطلع ليك كابايلا، كاتردها للبحر وأنت تتمتم “إيوا صافي واش أنا ويا من قال أنا ناكل كابايلا، واش أنا وجه كابايلا دابا” .. ثم كاتردها للبحر .. كاتعاود ترمي الصنارة .. كاتسنى .. كاتسنى ..حتى كايفوت العاصر ونتا مازال كاتسنى .. ثم كاطلع ليك كابايلا عاود تاني، كاتشوف فيها ونتا ساكت هاد المرة وكاتردها للبحر .. كاتعاود ترمي الصنارة .. كاتسنى .. كاتسنى .. كاتسنى حتى كاطيب ترمتك وتقرب تغرب الشمس ونتا مازال كاتسنى .. ثم كاطلع ليك كابايلا .. كاتشوف فيها .. كاتشوف في البحر .. ثم كاتشوف فيها .. ثم كديرها في الصاك وتقول “ومالها كابايلا، مالها ماشي حوتة حتى هي” ..

أنا وظلي ..

أجلس أنا وظلي على حافة السرير، لا يفارقني ولا أفارقه .. نتصفح معا مقاطع هزلية على اليوتيوب، أضحك من قلبي بكل براءة، أما هو فيكتفي من حين لآخر بضحكة صفراء على مضض، هو يكره الضحك كما أكره أنا أكل الجزر، لكنه مع ذلك يجاريني، هذا ما فهمته من ردة فعله، أما لماذا يجاريني فلأنه لا يريد أن يقضي علي، هو الجلاد وأنا الضحية، لا ينوي أن يتركني بسلام لكنه في نفس الوقت لا يريد أن يقضي علي .. إن فنائي يعني فناءه بالضرورة .. أبتسم في وجهه كضيف عزيز رغم كل ما بيننا من شنآن .. أُعدُّ طبقا ما كيفما اتفق كي أتخلص بسرعة من إحساس مفاجئ بالجوع يباغتني أحيانا، أدعو ضيفي للأكل فيبتسم ثم يشيح بوجهه الى الجانب الآخر، له عداوة أزلية مع الأكل، هذا ما فهمته .. بعد فترة صمت طويلة بيننا إقترب مني وهمس في أذني بهذه الكلمات : ” الحديقة التي سقيتها طويلا لم تنبت لك غير الشوك .. الحديقة التي آوتك في ظلالها الحقيقية والوارفة لم تعطها غير فأسك وجنونك .. ما الذي أريده بك أكثر من هذا، بل ما الذي تبقى منك ؟ هكذا تريد أن تسألني .. اختلط عليك الأمر، هل ما تراه نقطة سوداء على صفحة بيضاء أم صفحة بيضاء بنقطة سوداء يتيمة في الوسط، هناك فرق شاسع بين الأمرين، هل ترى ذلك؟ .. أنظر إلى نفسك جيدا، أَقَذىً هذا الذي بعينيك أم حسير بصرك ؟ أم العيب في بصيرتك ؟ .. خضراء تلالك التي تحب، خضراء .. أنا وأنت نعرف هذا .. أما سحبك التي تنتظر فلا رياح لتحملك معها إلى هناك .. أنا الوحيد الذي بإمكاني أن أحملك إلى حيث أريد أنا .. ليس لك غيري ياصديقي.. إذهب حيث شئت، لكنك حتما ستعود إلي.. لا بأس، سأنتظرك إلى أن تتعب ولا تلجأ في النهاية إلا إليّ .. وحينها فقط سنرحل معا، أنا وأنت ، بكامل رغبتك ،ونحن نضحك ملئ أفواهنا، إلى حيث أريد ” ..

عن خطورة الإدراك ..

يقول دوستويفسكى “أقسم لكم بمغلظ الأيمان أيها السادة أن شدة الإدراك مرض، مرض حقيقى خطير .. إن إدراكاً عادياً هو -من أجل حاجات الإنسان- أكثر من كاف ..” .. الفكرة هنا في إعتقادي هي عن الإدراك بمفهومه العام وخصوصا حينما يتعلق الأمر بالاسئلة الكبيرة التي أرقت البشر على مر الأزمنة .. إن البحث عن المعرفة هو مثل الشرب من ماء البحر، كلما شربت منه كلما أحسست بالحاجة إلى المزيد وهكذا حتى ينتهي بك الأمر إلى الموت، والموت هنا في هذه الفكرة هو الضياع والحيرة والألم الذي قد يصاحب ملامسة شيء من الحقيقة، الحقيقة التي غالبا ما تكون غير كاملة وضبابية و مؤلمة .. وتذهب بالإنسان بعيدا عن منطقة الراحة، منطقة الأفكار السطحية والإجابات الجاهزة التي يرثها الإنسان عن المجتمع .. إن البحث عن الإدراك يحتاج إلى الخروج من منطقة الراحة هذه، يحتاج إلى طرح الأسئلة باستمرار، هذه الأسئلة تولد هي الأخرى أسئلة أخرى أعقد منها .. والبحث عن الإدراك يحتاج بالخصوص إلى الشك، والشك يؤدي إلى اللايقين والحيرة الدائمة، وكل هذا متعب، متعب جدا بالمقارنة مع الأمان واليقين الذي يصاحب الحالة الأولى البدئية التي يتقاسمها عامة الناس وهي حالة عدم الإدراك ..

رهان الوقت والمسافات ..

الكون يغذي وجوده بالحركة .. إن كونا بلا حركة هو كون بلا طاقة، وكون بلا طاقة هو كون غير موجود بكل بساطة .. بنفس الطريقة تتغير الأشياء والمواقف من الأشياء والأشخاص في حياتنا بصورة مذهلة، أنت اليوم ليس هو أنت البارحة، وبعد سنين طويلة ستكون شخصا آخر أنت نفسك لا تعرفه الآن .. نخسر كثيرا حينما نراهن على الوقت وعلى المسافات بيننا وبين الآخرين، إننا إذ نفعل ذلك ننسى أن التغير الكبير في مثل هذه اللعبة الخطرة هو الذي يمسنا نحن ويمس ذلك الآخر .. إن رهانات مثل هذه هي رهانات خاسرة بالتأكيد .. الحب يبلى، والجسم يهرم، وعقولنا تصنع لها أولويات جديدة ومواقف جديدة مع أشخاص جدد وداخل إطارات جديدة .. كل شيئ يتغير وكل رهان يقوم على الوقت والإنتظار وأخذ المسافات الى حين هو رهان خاسر وبلا معنى ..

رواية قواعد العشق الأربعون

أنهيت قراءة رواية قواعد العشق الأربعون لصاحبتها إليف شافاق .. الرواية جميلة و ذات حبكة جيدة على العموم رغم أنها كانت في الحقيقة دون توقعاتي بعض الشيء، خصوصا و أن لها صيتا كبيرا بين القراء .. أما تقييمي لها فهو ثلاثة نجمات من أصل خمسة ..
الرواية عبارة عن قصتين متداخلتين في بعضهما، الأولى عن ربة بيت تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية يطلب منها أن تكتب مراجعة لرواية (وهي القصة الثانية والرئيسية) كتبها مؤلف مغمور يعيش في أمستردام عن علمي الصوفية جلال الدين الرومي و رفيقه شمس الدين التبريزي ..
النجمتان الناقصتان في تقييمي ذهبتا فيما اعتبرته إجابات سطحية عن أسئلة كبيرة ومعقدة، أسئلة شائكة وملغومة ليس لدى الإنسان الصوفي (الذي يمثله شمس الدين التبريزي) أجوبة صريحة عنها فيعوض عن ذلك بإجابات فضفاضة و ضبابية لا معنى لها، وخصوصا فيما يتعلق بالثراث الإسلامي الذي يحتاج إلى الكثير من التنقيح والمراجعة كي يكون فعلا متناغما مع رسالة الصوفي النموذجي صاحب دين الحب المطلق ..
لكن ورغم هذه المؤاخذات وبعيدا عن بعض مكامن الخلل فالجميل في الرواية هو إيصالها بشكل مبسط -عموما- للطريقة التي يرى بها الإنسان الصوفي الحياة والناس، الإنسان الصوفي الذي يمثل شمس الدين التبريزي نموذجه الحي والكامل والذي يتخذ من الإنسانية والرحمة الحب دينه الحقيقي قبل النظر إلى الانتماءات الأخرى مثل التدين الشعائري المتجمد .. هذه النظرة المترفعة عن الخلافات المذهبية والعرقية والفكرية هي ما نحتاجها بشدة في بلاد العرب والمسلمين التي أدت بها الأفكار المتجمدة والرجعية إلى الكثير من الخراب والتخلف والدماء ..
الرواية أعتبرها موفقة عموما وتستحق القراءة والتأمل ..

هذا الظل ..

إنني أتعفن هنا، مكبلا بهذا الظل اللعين .. إلى أين يأخذني كل هذا يا أبي، أجرب ابتسامتى كل حين في المرآة كي أتأكد أنني لازلت قادرا على التبسم وعلى السخرية من كل شيئ، ثم أَعْلقُ بعدها في النافذة نافثا دخان غليوني على صورة نهر السين في عيني، بينما ضجيج أعمال البناء في الجوار يفسد علي تأملي في الفراغ الذي من جهة السماء .. أنا لست وحيدا كما قد تظن يا أبي، لذلك اطمئن رجاءً .. لكني ولأسباب أعرفها وأخرى كثيرة غابت عني فإن روحي تجلس وحيدة، يحيط بها الظل الذي أخبرتك عنه من كل جانب .. أحب أن أنام لأنسى، لكن الأحلام تطاردني .. كم أكره الأحلام يا أبي، الوردي منها والكابوسي .. لي عداء قديم مع الأحلام ..و ربما وكمحاولة مني للتخلص من كرهها ادعيت ذات يوم أن لي حلما، أنا في الحقيقة لا أحلام لي .. كل ما أريده هو قوة هائلة تتلبس مطرقتي التي أحملها منذ أن تركت بيتنا ودموع ملاك على شرفة البيت تودعني، كي أهدم بها كل شيئ علق في طريقي، ابتداءً من نفسي وانتهاء بهذا الظل الجاثم على قلبي، مرورا بكل من أحببت وكل من أحبوني، أود لو أحطم كل شيئ عرفته، الجميل والقبيح، الأبيض والأسود والرمادي أيضا .. ربما حينها فقط سأصير حرا يا أبي، حرا من كل شيئ .. حرا كما كنت قبل أن أكون ..

كنا أبرياء ..

كم كنا أبرياء وحمقى حينما اعتقدنا أننا سنشفى ذات يوم بالإنتظار، بلا أدوية وبلا جراحات .. انتظار طلائع الخلاص التي ستأخد بأيدينا إلى تلك التلال الخضراء البعيدة، التي نحب .. انتظرنا طويلا ولم يظهر لنا في الأفق شيئ غير السراب .. يا أبانا الذي هناك، لماذا تركتنا هنا وحيدين وحزانى .. كم كنا أبرياء حينما انتظرناك، كما كنا أبرياء حينما وددنا كالأطفال أن تأتينا لتأخذ بأيدينا بعيدا، بعيدا من هنا، ولو في المنام، مثل رؤيا .. انتظرناك طويلا ولم تأت، بحثنا عنك كثيرا ولكنك كنت دائما تجيد الإختباء .. نحن غاضبون منك، لذلك لاتوقظنا عندما ننام، دعنا نطفئ بالنوم غضبنا منك، فلا توقظنا رجاء حينما يحلو لك المجيئ، رجاءً دعنا نرقد بسلام ..

الظل القديم ..

حسنا، إنه الظل القديم يرخي ظلامه على مضاربي مرة أخرى .. سيحجب عني شمسي لبضعة أيام كالعادة فلا يبقى لي من شيئ لأفعله غير النوم والتأمل الفارغ في السماء وصوت الريح ورمل الأرض، في كل شيئ ولا شيئ في نفس الوقت .. لحسن حظي ونكاية في ضيفي الثقيل فقد كنت في غيابه قد سقيت أصيص النافذة وشذبت حديقتي الخلفية وزرعت بضعة شتلات بجانب شجرات الرمان آملا أن تصير هي الأخرى شجرات بظلال حقيقية غير مؤذية، لقد نلت منك هذه المرة أيها الوغد .. آه يا أبي، ليت تلاواتك معي الآن، أعرف بشكل ما غامض أنها تحميني .. إنها مثل كلبي الوفي يحرسني من اللصوص ومن زوار العتمة المشبوهين .. حسنا، الظل القديم يقترب أكثر فأكثر.. أهلا وسهلا بك يا عزيزي، تعال بجانبي أيها الضيف الثقيل.. أتدري، رغم أني أود لو هربت منك الى آخر الدنيا فإن شيئا ما غامضا في داخلي اشتاق إليك .. اقترب أكثر و أعرني حكمتك وسكونك أيها الوغد، ثم تعال لنصنع بصمتى ونحيبك أناشيد كما لو أنها نوْحَُ الملائكة ..

أكتوبر (2) ..

أحببت كثيرا الرقم “عشرة” وأحببت أكثر الرقم “عشرين” .. الذين كانوا يعرفونني جيدا استغلوا حبي لهذين الرقمين كي يخمنوا كلماتي السرية ، ليسرقوا أسراري الصغيرة، كانوا فخوربن بذلك .. مالم يعرفوه هو أن حياتي ليست إلا جدعا فارغا تعوي فيه الرياح، ما لم يعرفوه هو أنني كنت كل مساء أحمل وريقات علقت بذاكرتي من شجرة التين الشائخة قبالة النافذة القديمة، ومن الدالية المصلوبة قبالة البيت القديم، كنت أحمل تلك الوريقات خفية من الجميع، حتى من نفسي، وألصقها بذلك الجذع الفارغ، الذي هو حياتي، كي أبدوا في أعينهم مثل باقي اﻷشجار .. كنت أخدع الجميع بذلك .. لم أكن أظهر على حقيقتي إلا عندما يحين شهر أكتوبر، برياحه التي أعرفها جيدا، ليحمل معه كل الوريقات التي ألصقتها بذلك الجدع، بصمغ يشبه دمع أمي، بعيدا .. بعيدا..